Tuesday, June 21, 2011

قراءة في مجموعة قصصية: "بقايا الرؤى... والطواف" لمحمد إبراهيم سرحان


"قبض --- ما عادت المدن تتعطر كل صباح، ساحات الموالد مشدودة كوتر ما إن تضرب عليه حتى يصدر الأنين، أحوال الدراويش لا بسط فيها، قبض ضار يمسك بالرقاب، وحديث عن سيف الانتقام ينزل فيأخذ الناس من حيث لا وقت للتوبة أو حتى للدهشة، فذهبت إلى شيخي وقلت له: - من أين يأتي الوجع؟ قال لي: - بك لك منك فيك... / وغادرني وانصرف والحال بكاء".
– بقايا الرؤى... والطواف، صفحة 66.

قال برتراند راسل أن "اللاهوت/الدين في أنساقه الدراسية البحتة، جاء من الرياضيات [ولعله يقصد فيثاغورس النبي/الفيلسوف]" من حيث كونها ترتيب للمنطق" وأن "دين الإنسان الشخصي مشتق من النشوة والوِجد". مجموعة محمد إبراهيم سرحان "بقايا الرؤى... والطواف" تدور في فلك هذا الدين "الذاتي" المشتق من النشوة والوجد. بعض القصص تقترب من مركز هذا المدار كثيراً، وبعضها تبتعد فتبقى على مسافة لا تنأى ولا تخرج من هذه الرؤية الواثقة المتسقة التي خُطت بها المجموعة.

خذ مثلاً قصة "الخوّاص" أو "مرثية الجدة... مرثية الحلم".. بجرأة بالغة أحسده عليها يبتعد عن الواقع، وكذلك عن العوالم الغرائبية المتعارف على كونها مما يدخل في نطاق ما يُكشف عنه، ويرمح الراوي في فضاء وكأنه جديد لم يكتشفه أحد، داخلي وفي الوقت نفسه عندما تطل عليه تجده كان موجوداً طول الوقت أبدي، تستكثر عليه أن يكون فضاء جديداً أو "اكتشاف" شخصي:

"الواقع لا يرحم.. الحلم يطارده. يحاصره. وعندما يظن أنه قضى عليه ينتفض من الحلم وينهض من جديد.. ولكن جدتي لم تنهض من رقدتها الأخيرة أبداً.. جاءني الخبر من بين دموع أمي وخطاب به رائحة بلادنا وآثار طمي لا يمر من هنا.. كان رحيلاً هادئاً.. لم يكن أسطورياً ولا عجائبياً.. فقط موت طبيعي لا معنى فيه ولا علامات تعجب" – "من مرثية الجدة... مرثية الحلم".

قلت: يقترب أحياناً من مركز هذا المدار فيدخل بك فضاءً عجيباً كمعزوفة موسيقية سهلة ممتنعة، تندهش ولا أكثر، ويبتعد عن المركز لكن يبقى في المدار فيأخذك من يدك إلى لحظة ما، لحظة مُقدرة محسوبة بدقة، يبني عليها عالم القصة، خذ مثلاً قصة "المشارك".. مُجند من نوعية المهرج الذي يسري عن الضباط ليلاً بالحكايات، يمر ببساطة على واقعة قد تكون واحدة من اثنين: "مومس أم مغتصبة"، يعطيه أحد الرجال جنيهاً بثقة فيتركك أنت تحتار أهي مومس أو مغتصبة؟ ويتساءل المجند كيف يطلب ما هو أكثر من جنيه، وإن أخذ أكثر من جنيه فما الفائدة وهو دائماً ما ينفق ما معه ولو كثر؟ المجند يسأل نفسه وتسأل نفسك معه، فتحتار أيهما أهم بين السؤالين من وجهة نظرك ومن وجهة نظر أخينا المجند؟ المشكلة أنك أمام سؤال أخلاقي، وأمام تساؤل عن أفكار الكاتب عن الدور الاجتماعي للمرأة، وفي نفس الوقت منزعج ربما من حال المجند الذي يسأل عن الجنيه وإن كان ما هو أكثر منه مفيد؟ أهو كابوس؟ لا أعرف هل يصح هنا أن أتذكر كافكا؟ هل من اللائق أن أتحدث من حيث المبدأ عن أوجه الشبه أو الاختلاف أصلاً بين عالم كاتب وعالم كاتب آخر؟ دعونا من كافكا، الخلاصة: من قصص هذه المجموعة ما هو يدور حول لحظة فاصلة عجائبية بسيطة في الوقت نفسه، ينطلق منها عقلك بالتوازي مع النص إلى تساؤلات حول الوجود والحياة، فتندهش أن عقلك يسرح إلى هذه المساحات العجيبة، وبشيء من الدهشة والاستنكار تسأل نفسك: كيف تجرأ هذا الكاتب على أن يدخل لهذه المساحة مرة بعد مرة بعد مرة وفي كل مرة ينجح بشكل ما في الوصول لسؤال أبدي إجابته ليست في هذا العالم لكن في داخلك، تجد نفسك وحيداً تتأمل السؤال ولا تفكر في إجابات.

وعموماً لا أعرف إن كان ترتيب القصص في المجموعة مقصود: تبدأ بقمة الدهشة بسؤال وجودي عن الموت المفاجئ، والحياة والموت وأيهما أبقى: الإنسان حياً أو الأمل في الحياة؟ هو بصراحة سؤالي كقارئ ولست خبيراً بمقاصد الكاتب ولا ادعي أي معرفة بها.. قلت تنتقل من دهشة إلى دهشة حتى تقترب عند منتصف المجموعة من مجموعة نصوص فلسفية قصيرة تحت عنوان "بقايا الرؤى... والطواف"، وبعدها تبتعد تدريجياً عمّا هو بالغ الذاتية والخصوصية منتقلاً إلى مرحلة جديدة من القصص، تقلّب كسابقاتها – قبل القصة المحورية – في حال الإنسان والوجود من كافة الأوجه لكن هناك شيء مختلف، وكأن القلم وصل إلى قصة المنتصف بحال ثم خرج بعدها بحال.. ميلاد جديد كالميلاد المأمول لـ"فايز" بطل القصة الأولى "موت يومي مفاجئ" ترى بعده أن القلم ليس كالقلم والحبر مختلف، وكأن المجموعة كوكب في مدار مرسوم ومُقدر بدائرة تامة (وللعلم مستحيلة في الواقع تلك الدائرة التامة ومدارات الكواكب ليست دائرية عموماً) نصفها نهار ونصفها ليل والذات الفاعلة وراء النص هي الشمس في منتصف المدار، وقصة "بقايا الرؤى... والطواف" هي لحظة الميلاد، فجر كانت أو غروب.

ختاماً، لم أجرؤ على كتابة كل هذا الكلام – وأنا لست ناقد ولا أدعي أي معرفة بالنقد أو حتى إلمام جيد بالأدب – إلا بعد أن جرأتني المجموعة على التساؤل وفتحت أمامي مساحة للتفلسف فلسفة الطفل الباحث صدقاً عن إجابات. الأدب الجيد مقلق ومتعب ويقلب الدماغ ولا تخرج بعده كحالك قبله إطلاقاً. أنا سعيد باكتشاف محمد إبراهيم سرحان كاتباً.