Thursday, September 15, 2011

رقصات محجوزة - قصة قصيرة لروبرتو بولانيو

نُشرت في الثقافة الجديدة عدد أكتوبر 2010.. أعدت قراءتها وجدتها لسان حال كاتب ثائر عاش في المنفى باختياره، يلامس في هذه القصة ثورته في تشيلي.

عن الكاتب:
روبرتو بولانيو (1953 – 2003) هو من أهم الكُتاب التشيليين وصاحب توجه أدب أمريكا الجنوبية الجديد. أغلب الوارد في هذه القصة من حياته الشخصية. قبل وفاته بستة أسابيع، منحه أدباء أمريكا اللاتينية لقب "أهم كُتاب أمريكا اللاتينية لهذا الجيل" في مؤتمر دولي عُقد في سيفيل، إسبانيا. يعتبر بولانيو من أهم روائيي مرحلة ما بعد "الواقعية السحرية"، التي أعلن رفضه لها ولرموزها في مناسبات عديدة. وُلد في تشيلي وعاش فترات من حياته في المكسيك والولايات المتحدة. له عدة روايات أهمها "المحققون المتوحشون" – سيرة ذاتية لحياته في المكسيك وعدة بلدان أوروبية، حصدت جائزة رومولو جاليجوس الفنزويلية – ورواية "2666" – أنجزها على عجلة في السنوات السابقة على وفاته (وكان يعرف أن موته وشيك). تزيد عن الألف صفحة، تقع في خمسة أجزاء، ونُشرت بعد وفاته في مُجلد واحد، لتحصد جائزة النقاد الأمريكية عن ترجمتها الإنجليزية الصادرة في الولايات المتحدة. هاجم في حياته جابرييل جارثيا ماركيث وماريو بارجاس يوسا وابنة بلده إيزابيل إلليندي (وهاجم أوكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل، في روايته "المحققون المتوحشون"، كرمز للفساد والمحسوبية في الوسط الثقافي المكسيكي)، وهاجم آخرين. قال عن الواقعية السحرية إنها الخلطة التي كان يُعِدها الكُتاب خصيصاً كي تعجب قراء الخارج الغرباء عن أمريكا اللاتينية. 

رقصات محجوزة
روبرتو بولانيو
ترجمة: عمرو خيري

1. قرأت أمي علينا نيرودا في مدينة كويلبون ومدينة كويكوينيس ولوس أنجلس. 2. كتاب واحد: عشرون قصيدة حب وأغنية يأس واحدة. دار لوسادا للنشر، بيونس آيرس، 1961. على صفحة العنوان رسم لنيرودا وكلمة توضح أن هذه الطبعة صدرت احتفالاً ببيع النسخة المليون. هل شهد عام 1961 بيع النسخة المليون فعلاً؟ أو أن الكلمة تشير إلى جميع أعمال نيرودا المنشورة؟ في البداية خفت، رغم أنني الآن أشعر بالاحتمالين مزعجين، لا يمكن تصور أحدهما. 3. اسم أمي مكتوب على الصفحة الثانية من الكتاب: ماريا فيكتوريا أفالوس فلوريس. عندما تفحصت الخط توصلت إلى استنتاج غير وارد، هو أن شخصاً غيرها كتب اسمها. ليس خط يد أبي، ولا أي شخص أعرفه. خط من إذن؟ بعد التدقيق في الإمضاء الذي ألقت عليه السنوات غمامها، مُضطر أنا للاعتراف، ولو على استحياء، بأنه خط يد أمي. 4. في عامي 1961 و1962 لم تكن أمي مسنة كحالها الآن، لم تكن قد بلغت سن الخامسة والثلاثين، وكانت تعمل في مستشفى. كانت شابة ممتلئة الحياة. 5. هذه النسخة من "عشرون قصيدة"، نسختي، سافرت مسافات طويلة. من بلدة إلى بلدة في جنوب تشيلي، من بيت إلى بيت في مكسيكو سيتي، ثم إلى ثلاث مدن في إسبانيا. 6. بالطبع لم يكن الكتاب كتابي دائماً. في البداية كان كتاب أمي. أعطته لشقيقتي، وعندما تركت شقيقتي مدينة جيرونا ورحلت إلى المكسيك، أعطته لي. من بين الكتب التي تركتها لي أختي، فكتبي المفضلة هي الخيال العلمي والأعمال الكاملة (حتى تلك اللحظة) لمانويل بويج، والذي أعطيته لها، ثم عاودت قراءته بعد أن رحلت. 7. عندما وصلت لتلك المرحلة كنت قد توقفت عن حب نيرودا، خاصةً "عشرون قصيدة حب"! 8. في عام 1968 انتقلت أسرتي إلى مكسيكو سيتي. وبعد عامين، في 1970، قابلت أليخاندرو خودوروفسكي، والذي – بالنسبة لي – كان النموذج النمطي للفنان. انتظرته خارج المسرح (كان يُخرِج مسرحية زرادشت مع إسيلا بارجاس) وقلت إنني أريده أن يعلمني كيف أنتج الأفلام. ثم أصبحت زائراً أتردد على بيته كثيراً. لا أظنني كنت طالباً نجيباً. خودوروفسكي سألني كم أنفق أسبوعياً على السجائر. قلت: مبلغ محترم (أدخن كالمدخنة منذ بدأت التدخين). قال لي أن أتوقف عن التدخين وأنفق النقود على حصص التأمل بطريقة الزِن مع إيخو تاكاتا. قلت: طيب. جاريته لأيام معدودة، لكن أثناء الحصة الثالثة قررت أن هذا الموضوع لا يناسبني. 9. تركت إيخو تاكاتا في منتصف حصة التامل بطريقة الزِن. عندما حاولت الخروج جائني وفي يده عصا خشبية، العصا التي يستخدمها مع التلاميذ الذين يطلبون أن يضربهم. ما يفعله في هذه الحالة هو أن يمد يده بالعصا، ويقول الطالب نعم أو لا، وإذا كان الرد بالإيجاب، يضربه مرتين، ويرن الصوت في الحجرة كابية الإضاءة الغارقة في البخور. 10. لكن تلك المرة لم يسألني أولاً. هجمته كانت متهورة صاخبة. كنت جالساً إلى جوار فتاة، على مقربة من الباب، وكان إيخو عند الجانب البعيد من الحجرة. خُيّل لي أنه مغمض العينين ولن يسمعني وأنا أخرج. لكن ابن الحرام سمعني ورمى نفسه عليّ وهو يصيح بالمُعادل الياباني لكلمة "يلعنك". 11. كان أبي بطل ملاكمة من الوزن الثقيل، هاوي. بطولته التي لم يقف في وجهها أحد كانت تقتصر على جنوب تشيلي. لم أحب الملاكمة يوماً، لكنني تعلمتها منذ الطفولة. ودائماً ما كان هناك زوج من قفازات الملاكمة في البيت، سواء في تشيلي أو المكسيك. 12. عندما رمى السيد إيخو تاكاتا بنفسه علي وهو يصيح، الأرجح أنه لم يقصد بي أي ضرر، ولم يتوقع مني أن أدافع عن نفسي بشكل تلقائي. عادة عندما يضرب أتباعه بالعصا كان الغرض التخفيف من توتر أعصابهم. لكنني لم أكن أعاني من توتر أعصاب، لا أريد إلا الخروج من هذا المكان وألا أعود له.13. لو تعرضت لهجوم؛ تدافع عن نفسك. هذا أمر طبيعي، خاصة عندما تكون في السابعة عشرة من عمرك، وخصوصاً لو كنت في مكسيكو سيتي. إيخو تاكانا كان "نيرودياً" في براعته. 14. خورودوفسكي هو المشكور على وجود إيخو تاكاتا في المكسيك، على حد قوله. ذات مرة خرج تاكاتا يبحث عن مدمني المخدرات في أدغال أوساكا، أغلبهم أشخاص من أمريكا الشمالية لم يتمكنوا من العودة من رحلاتهم الهلوسية. 15. لكن تجربتي مع تاكاتا لم تدفعني للتوقف عن التدخين. 16. أحد الأشياء التي أحببتها في خودوروفسكي كانت عندما يضمني إلى زمرة المثقفين التشيليين أثناء حديثه (عادة بالانتقاد). كنت أجد في هذا دفعة قوية لثقتي بنفسي، رغم أنني وكما هو واضح لم أكن أنوي مطلقاً التشبه بالمثقفين المذكورين. 17. ذات مساء، لا أذكر كيف، تطرقنا إلى قضية الشعر التشيلي. قال إن أعظم شاعر تشيلي هو نيكانور بارا. ألقى قصيدة من قصائد نيكانور، ثم أخرى، ثم أخرى. كان إلقاء خودوروفسكي جيداً لكن لم تؤثر فيّ القصائد. في تلك السن كنت شاباً حساساً لأقصى حد، وفي الوقت نفسه سخيف وشديد الاعتداد بنفسي، وأعلنت أن أعظم شاعر تشيلي هو بلا شك بابلو نيرودا. وأضفت أن البقية أقزام. لابد أن النقاش استغرق نحو نصف ساعة. ألقى خودوروفسكي بحجج لجوردجيف وكريشناموري ومدام بلافاتسكي، وراح يتكلم عن كيجارد وويتجنشتاين، ثم توبور وأرابال، وعن نفسه. أذكره وهو يقول أن نيكانور، وهو في طريقه إلى مكان ما، نزل ضيفاً في بيته. لمحت في كلمته هذه فخراً طفولياً رحت أراه مراراً وتكراراً في أغلب الكُتَّاب بعد ذلك. 18. في أحد كتبه قال باتاي إن الدموع هي جوهر الاتصال. بدأت أبكي، ليس بطريقة طبيعية عادية، بل بكاء متوحش، في نوبات، وكأنني أليس في بلاد العجائب، تزفر الدمع جالونات جالونات. 19. وأنا أغادر بيت خودوروفسكي أدركت أنني لن أعود يوماً، وآلمني هذا بقدر آلمي مما قاله، واستمر بكائي في الشارع. كما أدركت لأسفي أنني لن أحظى يوماً بأستاذ ساحر كهذا اللص المؤدب والمحتال المخضرم. 20. لكن ما آلمني أكثر من أي شيء هو ضعف حججي، وليس دفاعي المثير للشفقة (كان دفاعاً على أية حال) عن بابلو نيرودا، بينما كل ما قرأته له كان "عشرون قصيدة حب" (والتي أصبحت أراها في تلك المرحلة مضحكة دون قصد منه) وديوان (الشفق) وفيه قصيدة "وداعاً"، التي أراها قصيدة صادقة حتى الآن، وإن كنت وقتها أراها البكائية التي لا تعلوها بكائية. 21. في عام 1971 قرأت فاييخو وهويدوبرو مارتن أدان وبورخيس وأوكويندو دي أمات وبابلو دي روكا وجيلبرتو أوين، ولوبيز بيلاردى، وأليفييرو جيروندو. بل إنني قرأت نيكانور بارا أيضاً. وقرأت بابلو نيرودا حتى! 22. كان الشعراء المكسيكيين الذين أخرج معهم وأتبادل معهم الكتب في ذلك الحين ينتمون إلى معسكر من اثنين: النيروديون والفاييخيون. وكنت بلا شك باريّا في عزلتي [نسبة إلى نيكانور بارا]. 23. لكن لابد أن الآباء قُتلوا، الشعراء يولدون يتامى. 24. في عام 1973 عدت إلى تشيلي، رحلة برية وبحرية طويلة، وتأخرت على الطريق مراراً بسبب كرم الضيافة. قابلت الثوار من مختلف المشارب. دوامة النار التي سرعان ما ستأكل أمريكا الوسطى كنت قد بدأت أراها في أعين أصدقائي، الذين كانوا يتحدثون عن الموت وكأنهم يتحدثون عن فيلم سينما. 25. بلغت تشيلي في أغسطس 1973. كنت أريد أن أساعد في بناء الاشتراكية. أول ديوان أشتريه كان (عمل بناء) لبارا. الثاني كان (صناعات يدوية)، بقلم بارا أيضاً. 26. أتيح لي أقل من شهر أتمتع فيه ببناء الاشتراكية. في ذلك الوقت بالطبع لم أكن أعرف بهذا. كنت باريّاً في إبداعي. 27. ذهبت إلى مؤتمر ورأيت عدة شعراء تشيليين، كان مقرفاً. 28. في الحادي عشر من سبتمبر [يوم انقلاب بينوشيه على نظام الحكم الماركسي] ذهبت إلى لقاء للخلية الحزبية الوحيدة التي تعمل في منطقة الضواحي التي أعيش فيها، وتطوعت. الرجل المسؤول كان عامل مصانع شيوعياً، بديناً تظهر في عينيه الحيرة، لكنه مستعد للقتال. رأيت أن زوجته أشجع منه. تكومنا في حجرة الطعام في بيته، كانت ذات أرضية خشبية وصغيرة. بينما كان الرجل المسؤول يتكلم، تفحصت الكتب على الرف. لم تكن كثيرة، أغلبها روايات عشش عليها العنكبوت، كالتي كان يقرأها أبي. 29. بالنسبة لي، كان يوم 11 سبتمبر يوماً مضحكاً دموياً في نفس الوقت. 30. رحت أراقب الحال في شارع خالِ. نسيت كلمة السر. كان رفاقي يبلغون من العمر 15 عاماً، أشخاص في سن التقاعد، أو عاطلين عن العمل. 31. عندما مات نيرودا كنت في مولشن بالفعل، مع أعمامي وعماتي وأولاد العم. في نوفمبر ونحن في الطريق من لوس أنجلس إلى كونثبثيون، تم اعتقالي في نقطة تفتيش على الطريق وأصبحت سجيناً. كنت الوحيد الذي أخذوه من الأتوبيس. تصورت أنهم سيقتلونني وقتها، في ذلك المكان. من الزنزانة كنت أسمع الضابط المسؤول عن الوردية، رجل شرطة طازج الوجه لا تتخيله أكثر من عبيط القرية، يتحدث مع رؤسائه في كونثبثيون. كان يقول إنه أمسك بإرهابي مكسيكي. ثم تراجع في كلامه وقال: إرهابي أجنبي. تحدث عن لهجتي الأجنبية، والدولارات في جيبي، وماركة قميصي وبنطلوني. 32. أجدادي الكبار، من آل فلوريس وجراناس، حاولوا بلا جدوى تهيئة وتهذيب براري أراوكانيا (بينما لم يتمكنوا حتى من تهذيب أنفسهم)، لابد إذن أنهم كانوا "نيروديين" في تهورهم. جدي الأكبر، روبرتو ألفوس مارتي، كان كولونيلاً تمركز في عدة حصون في الجنوب حتى تقاعده المبكر الغامض، والذي دفعني للشك في أنه كان نيرودياً في تعاطفه مع الأزرق والأبيض.[1] أجدادي الكبار من ناحية أبي جاءوا من جاليسيا وكتالونيا، وكرسوا حياتهم لمقاطعة بيو بيو، وكانوا نيروديين في ملامحهم العامة وعملهم الدؤوب. 33. حبسوني في كونثبثيون عدة أيام ثم أفرجوا عنّي. لم يعذبوني كما خشيت، ولم يسرقوني حتى. لكنهم لم يعطوني شيئاً آكله، ولا أي نوع من أنواع الغطاء في الليل، فكنت أعتمد على شهامة السجناء الآخرين، الذي شاركوني طعامهم. وفي ساعات الصباح الأولى كنت أسمعهم يعذبون الآخرين، ويضن عليّ النوم ولا أجد شيئاً أقرأه إلا مجلة بالإنجليزية خرج أحدهم وتركها. المقال الوحيد المهم فيها كان عن بيت كان يملكه يوماً ديلان توماس. 34. خرجت من تلك الحفرة بفضل اثنين من المحققين ارتادا معي المدرسة الثانوية في لوس أنجلس، وبفضل صديقي فرناندو فيمانديز، وكان يبلغ من العمر واحد وعشرين عاماً، أكبر مني بسنة واحدة لكن شكله شكل الرجل الإنجليزي النمطي، المحترم، الذي يحاول التشيليون بذل قصارى جهدهم للتشبه به. 35. في يناير 1974 خرجت من تشيلي. ولم أعد إليها يوماً. 36. هل كان التشيليون من جيلي شجعاناً؟ نعم، كانوا كذلك. 37. في المكسيك سمعت حكاية شابة من حركة اليسار الثوري عذبوها بالفئران الحية في فرجها. تمكنت المرأة من الخروج من البلاد والذهاب إلى مكسيكو سيتي. هناك عاشت، لكن كل يوم يزيد حزنها، حتى قتلها الحزن ذات يوم. هذا ما سمعته. لا أعرفها شخصياً. 38. ليست حكاية فريدة من نوعها. سمعنا عن فلاحات في جواتيمالا تعرضن لإذلال مُذهل. المدهش في الحكاية هو كونيتها. في باريس سمعت بامرأة تشيلية عذبوها بنفس الأسلوب قبل أن تهاجر إلى فرنسا. كانت بدورها عضوة في حركة اليسار الثوري، وكانت في نفس سن السيدة من المكسيك، ومثلها، ماتت من الحزن. 39. بعد فترة سمعت بامرأة تشيلية في ستوكهولم، كانت شابة، عضوة أو عضوة سابقة في حركة اليسار الثوري، عذبوها في نوفمبر 1973، باستخدام الفئران، وماتت، لدهشة الأطباء الذين كانوا يعالجونها، من الحزن. الاسم العلمي: موربوس ميلانكوليكوس. 40. هل من الممكن أن تموت حزناً؟ نعم، هذا ممكن. بل من الممكن حتى أن تموت بمرض الطحال. 41. هل كانت تلك التشيلية المجهولة – التي تعرضت للحزن مراراً وماتت – غير متزوجة؟ أو هل كانت كذلك النساء الثلاث والمشترك بينهن القناعات السياسية ونفس نوع الجمال؟ طبقاً لصديق، كانت في واقع الأمر امرأة واحدة، والتي – وكما في قصيدة "ماسا" لفاييخو – تكاثرت في موتها دون أن تجد للنجاة سبيلاً. (في الواقع، في قصيدة فاييخو، ليس الرجل الميت هو الذي يتكاثر بل من يتوسلونه ألا يموت). 42. ذات مرة كانت هناك شاعرة بلجيكية اسمها صوفي بودولسكي. وُلدت عام 1953 وانتحرت عام 1974. نشرت ديواناً واحداً، هو (بلد "كل شيء ممكن"، مركز بحوث مونتفاكون، 1970، 280 صفحة مقاس فلوسكاب). 43. جرمين نوفو (1852 – 1920)، صديق رمبود، أمضى أعوامه الأخيرة متسولاً صعلوكاً. أصبح اسمه هوميليس (في عام 1910 نشر "قصائد هوميليس") وكان ينام على أرصفة الكنائس. 44. كل شيء ممكن، على كل الشعراء أن يعرفوا هذا.45. سألوني ذات مرة عن شعرائي التشيليين الشبان المفضلين. ربما لم يقولوا "شباناً" بل "معاصرين". قلت إنني أحب رودريجو ليرا، رغم أنه لم يعد من الممكن اعتباره معاصراً (على أنه شاب، شاب أكثر منّا جميعاً)، بما أنه ميت. 46. شركاء الرقص للشعر التشيلي الجديد، سلالة نيرودا التي ظهرت محسوبة بدقة، وتناسلات هويدوبرو القاسية، وأتباع مسترال المضحكين وتلاميذ دي روكا المتواضعين، وورثة عظام بارا وعيني لين. 47. اعتراف: لا يمكنني قراءة مذكرات نيرودا دون الإحساس بالمرض العضال. يالها من كومة من التناقضات. كل هذا الجهد لإخفاء وتجميل ذلك الشيء ذو الوجه المشوه. كرم مُقطّر، حس دعابة شحيح. 48. أثناء فترة من حياتي، مرت والحمد لله، كنت أرى أدولف هتلر في ردهة بيتي. كل ما كان هتلر يفعله، هو أن يذرع الردهة جيئة وذهاباً، دون أن ينظر إليّ عندما يمر بباب حجرة نومي المفتوح. في البداية حسبته الشيطان (من غيره يكون؟) وخشيت أنني جُننت بلا رجعة. 49. بعد أسبوعين، اختفى هتلر، وكنت أتوقع أن يحل ستالين محله. لكن ستالين لم يظهر. 50. كان نيرودا هو الذي سكن ردهة بيتي بعده. ليس لمدة أسبوعين مثل هتلر، بل ثلاثة أيام – إقامته الأقصر يبدو أنها تشير إلى تحسن نوبتي الاكتئابية. 51. لكن نيرودا كانت تنبعث منه أصوات (كان هتلر هادئاً ككتلة عائمة من الثلج)، كان يشتكي ويغمغم وتبدر عنه كلمات غير مفهومة، ويداه تمتدان أمامه ورئتاه تعبان الهواء (هواء تلك الردهة الأوروبية الباردة) بانتعاش. الإيماءات المتألمة وأسلوبه الأشبه بأسلوب المتسولين في الليلة الأولى تغير على مراحل، حتى إنه في النهاية بدا أن الشبح تعرف في نفسه على شاعر هام ومُكرَّم يقيم بالديوان الملكي. 52. في الليلة الثالثة والأخيرة، وهو يمر ببابي، توقف ونظر إلي (لم يفعل هتلر هذا مطلقاً)، وحاول – وهذا هو أغرب ما في الموضوع – أن يتكلم لكن لم يقدر، وأبدى عقمه بإيماءاته وأخيراً، قبل أن يختفي مع ضوء الفجر الأول، ابتسم لي (وكأنه يقول إن الاتصال بيننا مستحيل، لكنه حاول على كل حال) 53. منذ فترة قابلت ثلاثة أشقاء أرجنتينيين ضحوا بحياتهم بعد ذلك في قضايا ثورية في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية. الخيانة المتبادلة بين الشقيقين الأكبر سقط ضحيتها دون قصد الشقيق الأصغر، الذي لم يخن أحداً، ومات، على ما سمعت، وهو ينادي عليهما، رغم أن الأرجح أنه مات في صمت. 54. "أبناء أسد إسباني"، على حد قول روبن داريو، المتفاءل بطبعه. أبناء والت ويتمان وخوسيه مارتي وفيوليتا بارا، تقطعت بهم السبل ونسيهم الناس في مقابر جماعية، أو في قاع البحر، ذلك المصير الطروادي لعظامهم المتشابكة التي تثير رعب الناجين من الموت.55. أفكر فيهم هذا الأسبوع مع زيارة قدامى محاربي الكتائب الدولية لإسبانيا: رجال مسنون أجسادهم ضئيلة، ينزلون من الأتوبيسات، يلوحون بقبضاتهم. 40 ألفاً منهم، و350 فقط أو نحو ذلك عادوا إلى إسبانيا. 56. أفكر في بلتران مورالس، أفكر في روبرتو ليرا، أفكر في ماريو سانتياجو، أفكر في رينالدو أريناس. أفكر في شعراء ماتوا تحت التعذيب، ماتوا من الإيدز أو جرعات المخدرات الزائدة، وكانوا يؤمنون جميعاً بفردوس في أمريكا اللاتينية وماتوا في جحيم أمريكا اللاتينية. أفكر في أعمالهم، والتي ربما تقود يد اليسار إلى مخرج من حفرة الخزي والعقم. 57. أفكر في رؤوسنا المستدقة التي لا نفع منها، وميتة إيزاك بابل المحيرة. 58. عندما أكبر أريد أن أكون نيرودياً في اتصالي بالعالم. 59. أسئلة أتفكر فيها قبل النوم: لماذا لم يحب نيرودا كافكا؟ لماذا لم يحب نيرودا ريلكه؟ لماذا لم يحب نيرودا دي روكا؟ 60. هل كان يحب باربوس؟ يوحي كل شيء بأنه لم يحبه. وشولوكوف. وأليرتي. وأوكتافيو باز. رفاق غرباء في الرحلة البرزخية. 61. لكنه أحب أيضاً إلوارد، الذي كان يكتب قصائد الحب. 62. لو كان نيرودا مدمناً للكوكايين أو الهيروين، لو كانت قتلته شظية في حصار مدريد عام 1936، لو كان حبيب لوركا وانتحر بعد قتل لوركا، كانت لتصبح القصة مختلفة تماماً. لو كان نيرودا هو اللغز الذي يؤمن عميقاً داخله أنه هو! 63. في بدروم الصرح العظيم المعروف باسم "أعمال بابلو نيرودا" ينتظر أجولينو، يترصد التهام أطفاله؟ 64. دون أدنى ندم! في براءة! لمجرد أنه جائع ولا يريد الموت! 65. لم يكن لديه أطفال، لكن الناس كانت تحبه. 66. هل أنت مضطر للعودة إلى نيرودا كما نرجع دائماً للصليب، على ركبتين داميتين، مثقوب الرئتين والعيون ملآنة بالدمع؟ 67. عندما يتوه أي معنى عن أسمائنا، سيستمر هو لامعاً، يستمر محلقاً فوق منطقة افتراضية معروفة باسم "الأدب التشيلي". 68. وقتها سيصبح جميع الشعراء سكاناً في مجتمعات فنية معروفة باسم من اثنين: السجون أو مستشفيات المجانين. 69. إنه بيتنا المُتخيَّل، البيت الذي نتشارك فيه.


[1]  علم تشيلي فيه الألوان الأزرق والأبيض والأحمر. الأزرق يرمز للسماء والأبيض لقمم جبال الأنديز الثلجية، والأحمر للدم المسكوب من أجل الاستقلال. لعل المقصود بتفضيل الأزرق والأبيض أنه يفضل السلم على الحرب والعنف.

Monday, September 5, 2011

يوميات باحث أنثروبولوجي في الثورة


هذا مقطع من كتاب مُترجم يصدر قريباً، من ترجمة العبد لله.. الكاتب باحث أنثروبولوجي أوروبي شهد جانباً من الثورة في مصر، ودوّن يومياته عنها.. هذا الجزء يتناول تحديداً تأملات نظرية مبدئية في طبيعة الثورة، لكن الكتاب عموماً يوميات للثورة على هيئة مشاهدات يومية، وليس كله نظري طبعاً. إنجوي :)

الخميس، 10 فبراير 2011
القوة والحالة الطبيعية والثورة

وأنا أكتب هذه السطور، تستمر ثورة 25 يناير في شوارع مصر، وأي شيء يُكتب هذه الأيام يتطبع بطابع اللحظة، وسيثبت خطأه بطريقة أو بأخرى مع تطور الأحداث. هذا درس لابد أن يتعلمه الأكاديميون من هذه الثورات والثورات الأخرى: الواقع يتغير بطريقة تجبرنا على تغيير اسلوب تفكيرنا أسرع مما اعتدنا، وأن نقر بمدى ارتباط نظرياتنا بوقائع تاريخية انتهت. في هذا المقال، سوف أحاول عرض بعض الاستنتاجات الأولية عن طريف غيّر الزخم الثوري من رؤية المصريين للمتاح لديهم من تحركات. فلأكن أكثر شاعرية: سأحاول الخروج بإحساس مبدئي عن الروح الثورية، وأيضاً عن بعض من القيود المحددة لهذه الروح.

الحالة: طبيعية؟

طرت إلى مصر في 31 يناير 2011 بدلاً من الذهاب لعطلة طويلة في فنلندا، حيث كنت آمل إعداد مقال يتعلق بتجربة صديق لي عمل مفتشاً للصحة شمالي مصر. فريق عمل المفتش كانت مهمته بالأساس الذهاب للمخبز المدعم من الدولة مرة كل يوم، والمرور على الطابور، وأخذ عينة من الخبز والتوقيع في دفتر التفتيش: "الحالة: طبيعية". أوضح صديقي أن المكتوب لا يتعرض لكون الخبز جيد أم لا، بل مجرد حالته. في المقال، كنت أريد أن أكتب عن هذه التجربة الهدّامة: أن تحاصر الوعود البراقة بالتنمية والتقدم شباك ومستنقعات المحسوبية والفساد، والمطامح الكبرى بالإنجاز الفردي الذي يصطدم بجدار الإحباط كل مرة. خلال الأعوام القليلة الماضية، تطورت عندي نظرة ناقدة لمنهج فوكو[1] في التعامل مع الدين والأخلاق والحكومة والعلمانية، إلخ من وجهة نظر منهج الحكّومة والموضعة[2]، لأنني أحسست أن هذه المناهج لا تفسر كيف هو الحال عندما يعيش المرء في ظل الأوضاع التي وصفوها. في المقال الذي كنت سأكتبه، كنت أريد الوصول إلى منهج أوضح لفهم التوقعات والمخططات الكبرى، مع النظر لكل آلية للتحايل والالتفاف على الإحباطات يلجأ إليها الناس ليجدوا في هذا الركن أو ذاك القليل من الكرامة الإنسانية في عالم يحرمهم منها. فهذا الأسلوب من الناس منهج مأساوي، كذا كنت أود أن أوضح، لأن هذه الأساليب في حد ذاتها، أساليب الالتفاف والتحايل، تعني في الوقت نفسه المساهمة في خلق نظام من الفساد والمحسوبية وعدم المشروعية، وهي نفسها المشاكل التي يريدون الهرب منها.

كنت مخطئاً. فجأة ولدهشتي البالغة – ليس فقط لدهشة المراقبين الأجانب مثلي، بل أيضاً المصريين أنفسهم – خرج قطاع كبير من الشعب إلى الشوارع واستعادوا كرامتهم الإنسانية مطالبين بأن يسقط النظام كاملاً. ما لم آخذه في الحسبان هو أن تجربة الإجبار على أن يصبح الإنسان جزء من نظام فاسد من العلاقات – وهي تجربة مهينة ومؤلمة – من أجل أن ينجو من الضغوط، قد أصبحت – هذه التجربة – أرضاً خصبة لنمو الغضب والرغبة الحارقة في العيش في عالم آخر؛ إحساس لم يكن بحاجة إلا لثورة ناجحة مثل تونس كنموذج لاكتشاف أنه بدلاً من التكيف مع الحال الطبيعية، فإنه وعلى كل، من الممكن أن يحدث التغيير.

بعد ما قلته، فإنني أرى أن منهج فوكو، في دراسة القوة، هو منهج قاصر عن فهم الروح الثورية. الثورة نتيجة، لكن لا يمكن فهمها من واقع دراستها تحت عدسة الموضعة أو التطور العضوي أو الحكّومة، أو أي منهج آخر يركز بالأساس على كل ما هو متعلق بخطاب المجتمع وبكل ما هو إستراتيجي. كما عرفت بنفسي في مصر، وكما سمعت من الناس الذين شاركوا في الثورة، فهي حالة مزاجية، إحساس يتسم بالتغير الغريب في العلاقة بين ما هو خيالي وما يدخل في إطار القابل للعمل والإنجاز، حالة انتقالية من الاستثناء، هي على علاقة مفتوحة بالإصرار على التحول السياسي والاجتماعي. في المساحة الضيقة المتاحة لي في هذا المقال، سأحاول أن أوضح ما أقصد بهاتين النقطتين قبل أن أنتقل إلى استنتاجاتي الأولية عن العلاقة بين القوة والحالة الطبيعية والثورة.

"كده أكتر من أي شيء كان ممكن أحلم به".

الناس الذين تحدثت معهم في مصر راحوا يحيلونني إلى كيف أنهم مندهشين من الأحداث. بعضهم قالوا لي إنهم خرجوا للتظاهر يوم 25 يناير لكن لم يتوقعوا أن يتظاهر أحد معهم. وفي أكثر من مناسبة، توقع الناس أن تفقد الثورة زخمها وأن يتعب الناس ويسلموا أمرهم، ثم وبكل سعادة يندهشوا عندما تتجمع حشود جديدة كبيرة من المتظاهرين تملأ شوارع المدن. مع تزايد الثقة في إمكانية تغيير الأشياء، تزايدت مطالب المتظاهرين سريعاً، من مطالبة مبارك (وابنه) بعدم الترشح في الانتخابات القادمة، إلى المطالبة بتنحيه، وها هم الآن يطالبون بمحاكمته. النجاح في أنهم قادرين على عمل شيء بأنفسهم، وهذا الشيء كانوا يشكون قبل أيام في إمكانيته، أعطاهم إحساس هائل بالفخر والكرامة والثقة في قدرتهم على تغيير العالم. هذه هي اللحظة الثورية الاصيلة: مولد الإحساس بشيء لم يكن بالإمكان تخيله من قبل، لحظة أن يكون هذا الشيء المولود في طور التحقق. لكم يتناقض هذا مع تجربة "الحال الطبيعية"، وفيها فإن الوعود الكبرى والتوقعات العظيمة  - سواء كانت سياسية أو دينية أو اقتصادية أو أخلاقية – تكون دائماً سابقة بمسافة بعيدة لواقع مُحبط ومهين. إذا – وفي الحال الطبيعية – كان الواقع أقل كثيراً من الخيال، فإن في الثورة، يسبق العمل والإنجاز الخيال، ويخلق أرض جديدة غير متوقعة للحلم. الحالة الثورية تغير العالم، ليس فقط لأنها تغير منطق الحكّومة، وعلاقات القوة، أو آليات الموضعة وصب قوالب ما يمكن عمله (رغم أن هذا سيصبح ضرورياً في مرحلة لاحقة من الثورة)، لكن لأن هذه اللحظة الثورية في حد ذاتها هي تغيير شامل للحياة/العالم للناس المشاركين في اللحظة: إعادة تقييم للموقف من وجهة نظر الإحساس والعاطفة.. طريقة جديدة لأن تكون في العالم.

هذه نقطة انطلاق وبداية. لكن السؤال بالطبع، هو إلى أي مدى سيكون التغيير دائماً. الآن يبدو أن الثورة المصرية ستكون ثورة طويلة، لكن ذات يوم، سوف تنتهي، للأفضل أو للأسوأ. السؤال إذن: ما الذي تفعله اللحظة الثورية للظرف "الطبيعي"؟

العابر والمقيم

بصفتي باحث أنثروبولوجي انشغل طويلاً بثقافة الاحتفال، فقد لاحظت بُعداً احتفالياً مدهشاً في الفضاء الثوري بميدان التحرير. ما يحدث هناك ليس مجرد مظاهرة ضد نظام قمعي وتعبير عن مطالب الحرية. التجمع في حد ذاته هو الحرية. إنه حقيقي وفعلي، لحظة معاشة من الحرية والكرامة التي تنشدها الحركة المطالبة بالديمقراطية. من ثم، فهذه لحظة صعبة الفهم، ملتبسة، لأن الإحساس القوي بالوحدة فيها (هناك إجماع على عدم رفع أي شعارات حزبية في الميدان) والقوة التي تلفها، هي بالضرورة أمر عابر، فحتى في أكثر السيناريوهات نجاحاً، فسوف يلي هذه اللحظة فترة طويلة من التغير السياسي والعمل بموجب مخططات ومفاوضات وسياسة الأحزاب المتنافسة – كل ما يخطر على البال مما هو نقيض وخلاف هذه اللحظة، لحظة الوقوف يد واحدة والتجرؤ أخيراً على قول "لا!". لكن بفضل طبيعة هذه اللحظة اليوتوبية، فهي غير قابلة للتدمير. ما إن تم استحضارها، فلا يمكن مسحها من أذهان الناس ومخيلاتهم ثانية. إنها تجربة – مع اختلاف الألوان ومن مختلف وجهات النظر التي شهدت عليها – كافية بأن تترك علامتها على جيل بأسره.

الثورة ليست أمراً عابراً سريعاً، فهي تتطلب الإصرار. وهناك أنواع مختلفة من الإصرار التي تتمتع بها هذه اللحظة. الإصرار على التغيير في النظام السياسي وما يحيطه من نظام اقتصادي ضروري، ولم يتحقق بعد. هذه القضية ستشهد صراع طويل. وهناك نقاط أخرى يتركز عليها الإصرار، هي نفسية أكثر وذات طبيعة أبعد تاثيراً، وها هي قد أصبحت بالفعل جزء من "الحال الطبيعية". هناك نقطة محددة مدهشة، لأنها تشهد حالياً نقاش واسع من المثقفين المصريين، وهي متعلقة بفكرة الرئيس الأب. في 4 فبراير أعلن نائب الرئيس عمر سليمان أن المصريين عليهم إبداء الاحترام للرئيس، لأن "مبارك هو الأب". بمعنى آخر، أحال سليمان المسألة على عقيدة اجتماعية مرتبطة بالحكم الأبوي، حيث لابد من احترام الأب حتى في حال الاختلاف معه. وهي محاولة ماكرة لاستغلال بعض المشاعر عميقة الجذور لدى الشعب، لكن في الوقت نفسه، تغيرت مشاعر مصريين كثيرين بشكل أوديبي مدهش. نموذج مدهش على ذلك، عندما قال ناشط في حوار إعلامي: "الأب مات". يجادل العديد من المثقفين الآن بأن هذه الثورة تتسم بحالة صراع فرويدية بامتياز، حالة قتل الأب. القتل الرمزي للاب السلطوي للأمة، كما يقولون، يعني أن المصريين اكتسبوا استقلالهم كأشخاص مستقلين بالغين.

استنتاجات أولية

ما زالت درجة نجاح الثورة المصرية غير واضحة مع كتابتي هذه السطور. الوضع حرج، والمصريون يواجهون على ما يبدو وبوضوح نضالاً طويلاً. أي كان "الحالة الطبيعية" الجديدة التي ستسفر عنها الثورة، فهي أكيدة المعالم: جيل من المصريين الذين شاركوا في هذه الثورة لا يمكن أبداً أن يُحكموا بنفس طريقة ما قبل الثورة. هذه التجربة من العمل والتغيير للأوضاع بأيديهم، والخروج بنجاح إلى الشوارع في 25 يناير وتصديهم بنجاح للشرطة في 28 يناير، وإرساء القانون والنظام في غياب الشرطة بعد أعمال نهب 29 يناير، وتنظيم مظاهرات جماعية سلمية كبرى ووضع النظام السياسي كاملاً تحت الضغط، كل هذا غير من طريقة فهمهم لنطاق الممكن في العمل العام. أي محاولة لحُكم هؤلاء، سواء حكومة ديمقراطية أو نظام سلطوي يتمكن من لم شتاته من جديد، لابد أن تأخذ هذا التغيير في الاعتبار.

من ثم، فإنني أعلن وصولي إلى أعتاب نتيجة نظرية مبدئية. قال ميشيل فوكو كما يعرف الجميع بأن القوة لا تعني غياب واستبعاد المقاومة، لكن كل شكل من أشكال القوة يخلق معه شكل معين من أشكال المقاومة. "الحالة الطبيعية" في السنوات الماضية ولحظة الثورة التي بدأت في 25 يناير تُلزمني بقلب هذه المقولة رأساً على عقب: قبل الثورة كان "النظام" قوامه في حقيقة الأمر وإلى حد بعيد، شعب يحاول تجمله والتكيف معه، مما أعطاه هيئة شريرة ومهينة في الحقيقة. مع استمرار الثورة فإن "النظام" الذي يحاول المصريون أن ينقلبوا عليه حالياً، يتبدل سريعاً على يد النظام السياسي في رد فعل لحركة شعبية تلقائية تُدهش النخبة الحاكمة بلا توقف. بعد الثورة، سوف تظهر أساليب حكم جديدة لمصر، أفضل أو أسوأ. إذن، فمع قلب مقولة فوكو رأساً على عقب، يصح القول أن الثورة المصرية أظهرت أن كل شكل من أشكال المقاومة يُنتج شكل معين من القوة.


[1]  الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
[2]  Governmentality and subjectivation المصطلحان اصطكهما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: حكّومة (تُنطق كما تُنطق عولمة) بمعنى "الممارسات ذات الطبيعة النظامية (العقليات والآليات) التي يُحكم بها الشعب". الموضعة، مشتقة من موضوع، الموضعة تسبق الموضوع، كما تسبق القولبة القالب. تعريف المصطلحان اجتهاد من المترجم وقد يصيب وقد يخطئ.