Sunday, August 5, 2012

ضحك طليق كالغزلان


الولد ابن الناس المستورين ركب العجلة وقرر يذهب إلى التحرير. طلع من بيتهم في كوبري الخشب، طلع سلم المشاة فوق شريط القطار والعجلة بين يديه، طلع ونزل، تسلل من بين البائعين والمشترين المرتعشين وخرج إلى موقف الميكروباص، ركب العجلة وانطلق في شارع التحرير في طريقه إلى ميدان التحرير. أمه كانت تشتكي من وقف الحال وقلة أدب الشباب، وأبوه صامت لا ينطق، خائف وحزين لا يُعزى، وهو يحب ركوب العجلة ساعة العصر. ارتدى مخصوص لهذه الرحلة الطويلة الكوتشي الأبيض والسويتر الأسود الذي يطير ورائه عندما يجري بالعجلة كالريح، ولم يقل لأخوته وأولاد الجيران الذين يلعب معهم أنه خارج بالعجلة وحده إلى ميدان التحرير.

مشاهد التلفزيون من يوم موقعة الجمل ذكرته بفيلم الأرض.. الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا.. وذكرته بأفلام سبايدرمان وباتمان وهاري بوتر، أصبح يعرف أن الناس في التحرير طيبين وأن "البلطجية" أشرار، يرمون الطيبين بالنار والرصاص، رأى النار ولم ير الرصاص لكن لابد أن كان معهم رصاص، فالأشرار دائماً يطلقون الرصاص في الأفلام على الطيبين، لكن لم يفهم لماذا لم يرد الطيبون بالرصاص كما في الأفلام، ولا كيف هزموا الأشرار بدون ضرب وطيخ وطاخ وطش كما يفعل سبايدرمان.

الطريق إلى التحرير طويل، العرق – رغم الشتاء – ينهمر على حاجبيه ويتسلل إلى أنفه وفمه مذاقه ملح ساخن كالدموع. يخاف من نظرات الناس إليه عند ميدان الدقي، من عبور الميدان تحت الكوبري، هو ارتدى الكوتشي الأبيض مخصوص لأنه يشعر بالحرج من المشي بالشبشب خارج كوبري الخشب، عند الناس النضيفة، الناس عيونهم وكأنهم يعرفون أنه ذاهب إلى التحرير، وأمي لو عرفت هتموتني، لكن لا أحد منهم يعرفها، وهو متأكد أن لا أصدقاء ولا أقارب لهم يعيشون في شارع التحرير ليرونه من البلكونات.. أمه أخذته مرتين إلى السوبرماركت في الدقي وكان يرتدي الشبشب وكان يشعر بحرج بالغ وسط الناس النضيفة، كان لابد يا أمي أن أعرف أننا ذاهبون إلى هناك لأرتدي الكوتشي الأبيض، وأبوه منعه من النزول في "اللجنة الشعبية" "عشان الكلام ده مش للعيال، خليك مع أمك هنا وأخواتك" ونزل أبوه وعلى كتفه عصا مقشة ربطت له أمه في طرفها سكين المطبخ الكبير، فأصبحت حربة كتلك التي يصطاد بها البدائيون السمك. ولم يدعه أبوه يلمسها، وكان يخبئ "سلاحه" كلما عاد من الشارع قرب الفجر.. لكن الآن انتهى موضوع اللجنة الشعبية، وكف ضرب النار على سبيل التحية بين اللجان، وكف الجري على النواصي "حرامي هنا.. حرامي هناك"، وهو بعد مشهد الجمال والخيول في التلفزيون بكى كثيراً وأحس أن أبيه لن يحميه وأن الموت يأتي هكذا، سيموت كل الناس سيموت كل الناس.

يعرف أن بينه وبين التحرير الآن كوبري على النيل ثم كوبري آخر على النيل، يرى من بعيد طيارة ورق عليها ألوان علم مصر.. في الصباح التالي على المعركة صحى من النوم ليجد أمه أمام التلفزيون منكوشة الشعر تتفرج، ومشهد رمادي كالحلم، فيه الطيبين والأشرار ما زالوا على حالهم، والطيبون تمترسوا وراء جدران من صفيح وحديد وخشب، فرح، ارتاح، لن يموت الناس، لن يموت الناس.. بعد الكوبري الأول اقتربت منه الطيارة الورق، سمع هتافاً من بعيد، وناس من حوله في طريقهم إلى التحرير، عائلات، آباء وأمهات ومعهم أطفال، لكن أمه لو عرفت هتموته، لا يهم فهو هنا الآن. دخل الميدان، لم يكن خائفاً من كلام التلفزيون عن هؤلاء، من بعد معركة فيلم الأرض لم يعد خائفاً من هؤلاء، فهم طيبون، لن يؤذيه أحد.. هنا وهناك شباب ممصوص الخدود، على رؤوسهم شاش وقطن، منهم من ينام على الأرض، وعلب كشري فارغة كثيرة مصفوفة، مكتوب بها كلمة "أرحل" على الأسفلت، وشباب وبنات "من الكبار زي اللي في الكلية" بلون النور والبدر، يرفع عينيه إليهم، في الزحام الشديد ومعه العجلة، يمشي ببطء، الأكف تربت عليه برفق، لا أحد يتكلم، الكل مبتسم، الأكف تربت على كتفه برفق، تداعب رأسه، عرقه بدأ يجف من الهواء البارد بعد أن استراح، مال على الرصيف وجلس، خلع السويتر الأسود وكان تحته التي شرت الأحمر الذي يلبسه في البيت، مقطوع من تحت الياقة، لم يخجل، خلع الكوتشي ومسكه في يده وقرر أن يمشي حافياً فالأسفلت جميل.. يسمع هتافات تدوي كالرعد.. اررررحل.. اررررحل. والناس جميلة كالملائكة والجنة، والأسفلت المرسوم عليه بالطباشير، الأسفلت حشائش خضراء وأشجار عالية وأنهار من الماء الرقراق، ومظاهرة تمر أمامه، فيها أولاد وبنات في سنه، وكانوا يهتفون: مش هنمشي، هو يمشي، مش هنمشي، هو يمشي. الناس تساعد بعضها، تمتد أيادي الكبار فوقه إلى بعضهم، هذا الرجل يأخذ بيد هذه السيدة لتتجاوز سور الجنينة العالي، هذا العجوز يأخذ بيد ذلك الشاب الملفوف رأسه بالشاش ليعبر فوق غطاء البلاعة ويعطيه ساندوتش فينو، هو أيضاً امتدت إليه يد بساندوتش فينو لكنه قال: شكراً أنا مش جعان فألحت عليه اليد ذات السندوتش فأخذ السندوتش مكسوفاً ووضعه في جيب البنطلون وهو يشعر بالذنب. ورأى أولاداً مثل عيال بياعين الفاكهة في شارعهم، أحدهم يرتدي عمّة، إحدى عينيه مربوطة بالشاش والبلاستر، يرقص وسط حلقة من الناس على ضربات طبلة، أغنية لا يعرفها تذكره بالفلاحين، والولد رقصه جميل، يحجل على هذه القدم وتلك مبتسماً ورجال فوق سور المترو العالي في أيديهم طبول ودُف يغنون: حسني اتجنن، حسني اتجنن، ويؤدون بأيديهم حركة كالمروحة لصق الرأس إشارة إلى الجنون، حركة منتظمة جميلة دفعته للضحك بصوت عالي سعيد، ضحك طليق كالغزلان، وناس يرفعون نعشاً وينشدون: الجنازة حرة والميت كلب، الجنازة حرة والميت كلب، والأرض غابة خضراء والسماء شجر ونخيل عالي والميدان لم يعد رمادياً، الميدان ألوان زيت وألوان ماء وجنة مرسومة لوحات أجمل أجمل بكثير من أفلام سبايدرمان، وكان يعرف أن الله في السماء تقوّس على هيئة قبة كبيرة، تمتد من مجمع التحرير إلى ذلك التمثال هناك عند كوبري أكتوبر، وكان الله يقول بحناجر الشباب العنيد: الشعب.. يريد.. إسقاط.. النظام.