عندما انتهيت من
الصفحة الأخيرة من رواية أوراق الجارح، رأيت فوراً جدارية ضخمة لرؤوس رجال ونساء
من كل الأعمار يقفون جميعاً ينظرون في لا مبالاة وتحدٍ إلى قارئ وحيد، هم أبناء
الصعيد، من طبقاته الأكثر تهميشاً وفقراً ومعاناة، هم شخصيات هذه الرواية الطموحة
أشد الطموح للتعبير عن مجتمع كامل في إيجاز وتكثيف مدهش.
في أوراق الجارح
نعيش داخل وعي الجارح عبد الباري، المناضل اليساري الذي يحمل جراح وإحباطات وتجارب
اليسار المصري في الصعيد، نرى العالم من عينيه، ونشعر مع تقليب الصفحات ضرورة أن يقف
الجارح هنا أو هناك ليعود بالسرد إلى خيوط الرواية التقليدية الواضحة، ليقدم لنا
"حكاية" ذات بداية ونهاية وعقدة وحل، أو على الأقل – لمن يعرف عالم خالد
إسماعيل المتشابك المعقد – نتوقع مجموعة من الحكايات تدور حول حدث مركزي. لكن
الجارح يمضي بلا توقف، يخرج من شخصية إلى أخرى، ومن أسرة إلى أسرة، ومن بيت بلا
بيت، واضعاً يده على مواضع الألم، حتى يصبح التوليد الحكائي – توالد الحكايات
واحدة من داخل سابقتها كما في عالم ألف ليلة وليلة – هو الفعل الأساسي في الرواية،
ماضياً بها إلى كشف واقع قبيح لا يجرؤ ولا يقدر على تقديمه غير قلّة من المنشغلين
بالأدب.
ثم لا يقتصر الأمر
على توالد الحكايات خطياً بشكل بسيط، بمعنى أن تحيل حكاية إلى التالية وهلم جرا،
بل يتحول الجارح عبد الباري – الراوي – من سرد واقعه إلى جملة اعتراضية طويلة في
متن الرواية، يتحول فيها إلى كتابة "قصة" يلخص فيها واقعه البائس، ثم
يعود مرة أخرى إلى ما يمكن اعتباره ختام للرواية، بتناول عدد من الشخصيات الإضافية
وكأنها هامش ضروري لا غنى عنه، يكتبها هذه المرة بصفتها مذكرات مختتماً بها تجربته
مع المكان.
المدهش في
"أوراق الجارح" أنها تستخدم أدوات التوليد الحكائي بنفس المهارة
المعهودة في خالد إسماعيل، رائد هذا التوجه في جيل التسعينيات، لكنها في أوراق
الجارح هي في رأيي غاية الكتابة ومحورها. وليس الأدب المهم المُقدّر له البقاء
والاستمرارية بالأدب السهل على القارئ دائماً. في الأدب الأمريكي مثلاً الروائي
الشهير توماس بينشون، من رواد رواية ما بعد الحداثة الأمريكية، الذي قدم رواية
"V"،
مستعيناً بالتوليد الحكائي، والبنية غير الخطية للسرد، فيبدأ من طرفين بعيدين في
بداية الرواية، في مسارين منفصلين تماماً، ثم يقترب شيئاً فشيئاً من نقطة التقاء
المسارين في النهاية، وفي الطريق يستعين بتوالد الحكايات والقصة داخل القصة
والمذكرات داخل مسار حكي الراوي العليم، حتى يقدم عالماً متكاملاً، شبهه قرائه
المخلصون بأنه عالم من متاهات الأحلام، رائعة في حد ذاتها، وتُكوّن في النهاية
كياناً واحداً يراه كل قارئ كما يشاء، فنصبح بصدد عالم في غاية الثراء والتنوع
والقابلية للتأويل.
ليس منطلقات كتابة
خالد إسماعيل وكُتاب الرواية ما بعد الحديثة في الولايات المتحدة أو أمريكا
اللاتينية واحدة على الإطلاق، لكن ما لفت انتباهي لهذه المقارنة أمرين: أولاً – وجود شبه استحالة في ترجمة روايات خالد إسماعيل
إلى لغات أخرى، ووجود نفس الاستحالة في ترجمة روايات توماس بينشون إلى لغات أخرى،
فكل منهما يكتب لقارئه المحلي بكل إخلاص، فكلما زاد اقتراب القارئ من المكان
ومفرداته شديدة الخصوصية؛ زاد استيعابه للعمل. ثانياً – استخدام الكاتبين للتوليد
الحكائي بقدر مدهش من المهارة، حتى تصبح هذه الأداة في حد ذاتها وهي طيعة هكذا في
يد الكاتب مناط جدارة ومبعث دهشة دائمة للقارئ المنفتح على تقبل كتابة أدبية
مختلفة. المختلف بين الكاتبين هو كل شيء آخر، غير أن ما يجب أن نتوقف عنده فيما يخص
الاختلاف بينهما، هو مصير روايات وعالم توماس بينشون، الذي تحوّل فوراً إلى أيقونة
أدبية ضخمة، ومرجعية يُقاس إليها الأدباء الجدد الطامحون إلى الاعتراف والجوائز.
بينما تعامل المشهد النقدي المصري مع أدب خالد إسماعيل بقدر من الاستعلاء
والتجاهل، فاعتبروا الكتابة من منطلقات أيديولوجية عيباً، واعتبروا كتابته التي
تفتح للأدب المصري مساراً شديد الثراء والتنوع كتابة تقليدية.