Monday, September 5, 2011

يوميات باحث أنثروبولوجي في الثورة


هذا مقطع من كتاب مُترجم يصدر قريباً، من ترجمة العبد لله.. الكاتب باحث أنثروبولوجي أوروبي شهد جانباً من الثورة في مصر، ودوّن يومياته عنها.. هذا الجزء يتناول تحديداً تأملات نظرية مبدئية في طبيعة الثورة، لكن الكتاب عموماً يوميات للثورة على هيئة مشاهدات يومية، وليس كله نظري طبعاً. إنجوي :)

الخميس، 10 فبراير 2011
القوة والحالة الطبيعية والثورة

وأنا أكتب هذه السطور، تستمر ثورة 25 يناير في شوارع مصر، وأي شيء يُكتب هذه الأيام يتطبع بطابع اللحظة، وسيثبت خطأه بطريقة أو بأخرى مع تطور الأحداث. هذا درس لابد أن يتعلمه الأكاديميون من هذه الثورات والثورات الأخرى: الواقع يتغير بطريقة تجبرنا على تغيير اسلوب تفكيرنا أسرع مما اعتدنا، وأن نقر بمدى ارتباط نظرياتنا بوقائع تاريخية انتهت. في هذا المقال، سوف أحاول عرض بعض الاستنتاجات الأولية عن طريف غيّر الزخم الثوري من رؤية المصريين للمتاح لديهم من تحركات. فلأكن أكثر شاعرية: سأحاول الخروج بإحساس مبدئي عن الروح الثورية، وأيضاً عن بعض من القيود المحددة لهذه الروح.

الحالة: طبيعية؟

طرت إلى مصر في 31 يناير 2011 بدلاً من الذهاب لعطلة طويلة في فنلندا، حيث كنت آمل إعداد مقال يتعلق بتجربة صديق لي عمل مفتشاً للصحة شمالي مصر. فريق عمل المفتش كانت مهمته بالأساس الذهاب للمخبز المدعم من الدولة مرة كل يوم، والمرور على الطابور، وأخذ عينة من الخبز والتوقيع في دفتر التفتيش: "الحالة: طبيعية". أوضح صديقي أن المكتوب لا يتعرض لكون الخبز جيد أم لا، بل مجرد حالته. في المقال، كنت أريد أن أكتب عن هذه التجربة الهدّامة: أن تحاصر الوعود البراقة بالتنمية والتقدم شباك ومستنقعات المحسوبية والفساد، والمطامح الكبرى بالإنجاز الفردي الذي يصطدم بجدار الإحباط كل مرة. خلال الأعوام القليلة الماضية، تطورت عندي نظرة ناقدة لمنهج فوكو[1] في التعامل مع الدين والأخلاق والحكومة والعلمانية، إلخ من وجهة نظر منهج الحكّومة والموضعة[2]، لأنني أحسست أن هذه المناهج لا تفسر كيف هو الحال عندما يعيش المرء في ظل الأوضاع التي وصفوها. في المقال الذي كنت سأكتبه، كنت أريد الوصول إلى منهج أوضح لفهم التوقعات والمخططات الكبرى، مع النظر لكل آلية للتحايل والالتفاف على الإحباطات يلجأ إليها الناس ليجدوا في هذا الركن أو ذاك القليل من الكرامة الإنسانية في عالم يحرمهم منها. فهذا الأسلوب من الناس منهج مأساوي، كذا كنت أود أن أوضح، لأن هذه الأساليب في حد ذاتها، أساليب الالتفاف والتحايل، تعني في الوقت نفسه المساهمة في خلق نظام من الفساد والمحسوبية وعدم المشروعية، وهي نفسها المشاكل التي يريدون الهرب منها.

كنت مخطئاً. فجأة ولدهشتي البالغة – ليس فقط لدهشة المراقبين الأجانب مثلي، بل أيضاً المصريين أنفسهم – خرج قطاع كبير من الشعب إلى الشوارع واستعادوا كرامتهم الإنسانية مطالبين بأن يسقط النظام كاملاً. ما لم آخذه في الحسبان هو أن تجربة الإجبار على أن يصبح الإنسان جزء من نظام فاسد من العلاقات – وهي تجربة مهينة ومؤلمة – من أجل أن ينجو من الضغوط، قد أصبحت – هذه التجربة – أرضاً خصبة لنمو الغضب والرغبة الحارقة في العيش في عالم آخر؛ إحساس لم يكن بحاجة إلا لثورة ناجحة مثل تونس كنموذج لاكتشاف أنه بدلاً من التكيف مع الحال الطبيعية، فإنه وعلى كل، من الممكن أن يحدث التغيير.

بعد ما قلته، فإنني أرى أن منهج فوكو، في دراسة القوة، هو منهج قاصر عن فهم الروح الثورية. الثورة نتيجة، لكن لا يمكن فهمها من واقع دراستها تحت عدسة الموضعة أو التطور العضوي أو الحكّومة، أو أي منهج آخر يركز بالأساس على كل ما هو متعلق بخطاب المجتمع وبكل ما هو إستراتيجي. كما عرفت بنفسي في مصر، وكما سمعت من الناس الذين شاركوا في الثورة، فهي حالة مزاجية، إحساس يتسم بالتغير الغريب في العلاقة بين ما هو خيالي وما يدخل في إطار القابل للعمل والإنجاز، حالة انتقالية من الاستثناء، هي على علاقة مفتوحة بالإصرار على التحول السياسي والاجتماعي. في المساحة الضيقة المتاحة لي في هذا المقال، سأحاول أن أوضح ما أقصد بهاتين النقطتين قبل أن أنتقل إلى استنتاجاتي الأولية عن العلاقة بين القوة والحالة الطبيعية والثورة.

"كده أكتر من أي شيء كان ممكن أحلم به".

الناس الذين تحدثت معهم في مصر راحوا يحيلونني إلى كيف أنهم مندهشين من الأحداث. بعضهم قالوا لي إنهم خرجوا للتظاهر يوم 25 يناير لكن لم يتوقعوا أن يتظاهر أحد معهم. وفي أكثر من مناسبة، توقع الناس أن تفقد الثورة زخمها وأن يتعب الناس ويسلموا أمرهم، ثم وبكل سعادة يندهشوا عندما تتجمع حشود جديدة كبيرة من المتظاهرين تملأ شوارع المدن. مع تزايد الثقة في إمكانية تغيير الأشياء، تزايدت مطالب المتظاهرين سريعاً، من مطالبة مبارك (وابنه) بعدم الترشح في الانتخابات القادمة، إلى المطالبة بتنحيه، وها هم الآن يطالبون بمحاكمته. النجاح في أنهم قادرين على عمل شيء بأنفسهم، وهذا الشيء كانوا يشكون قبل أيام في إمكانيته، أعطاهم إحساس هائل بالفخر والكرامة والثقة في قدرتهم على تغيير العالم. هذه هي اللحظة الثورية الاصيلة: مولد الإحساس بشيء لم يكن بالإمكان تخيله من قبل، لحظة أن يكون هذا الشيء المولود في طور التحقق. لكم يتناقض هذا مع تجربة "الحال الطبيعية"، وفيها فإن الوعود الكبرى والتوقعات العظيمة  - سواء كانت سياسية أو دينية أو اقتصادية أو أخلاقية – تكون دائماً سابقة بمسافة بعيدة لواقع مُحبط ومهين. إذا – وفي الحال الطبيعية – كان الواقع أقل كثيراً من الخيال، فإن في الثورة، يسبق العمل والإنجاز الخيال، ويخلق أرض جديدة غير متوقعة للحلم. الحالة الثورية تغير العالم، ليس فقط لأنها تغير منطق الحكّومة، وعلاقات القوة، أو آليات الموضعة وصب قوالب ما يمكن عمله (رغم أن هذا سيصبح ضرورياً في مرحلة لاحقة من الثورة)، لكن لأن هذه اللحظة الثورية في حد ذاتها هي تغيير شامل للحياة/العالم للناس المشاركين في اللحظة: إعادة تقييم للموقف من وجهة نظر الإحساس والعاطفة.. طريقة جديدة لأن تكون في العالم.

هذه نقطة انطلاق وبداية. لكن السؤال بالطبع، هو إلى أي مدى سيكون التغيير دائماً. الآن يبدو أن الثورة المصرية ستكون ثورة طويلة، لكن ذات يوم، سوف تنتهي، للأفضل أو للأسوأ. السؤال إذن: ما الذي تفعله اللحظة الثورية للظرف "الطبيعي"؟

العابر والمقيم

بصفتي باحث أنثروبولوجي انشغل طويلاً بثقافة الاحتفال، فقد لاحظت بُعداً احتفالياً مدهشاً في الفضاء الثوري بميدان التحرير. ما يحدث هناك ليس مجرد مظاهرة ضد نظام قمعي وتعبير عن مطالب الحرية. التجمع في حد ذاته هو الحرية. إنه حقيقي وفعلي، لحظة معاشة من الحرية والكرامة التي تنشدها الحركة المطالبة بالديمقراطية. من ثم، فهذه لحظة صعبة الفهم، ملتبسة، لأن الإحساس القوي بالوحدة فيها (هناك إجماع على عدم رفع أي شعارات حزبية في الميدان) والقوة التي تلفها، هي بالضرورة أمر عابر، فحتى في أكثر السيناريوهات نجاحاً، فسوف يلي هذه اللحظة فترة طويلة من التغير السياسي والعمل بموجب مخططات ومفاوضات وسياسة الأحزاب المتنافسة – كل ما يخطر على البال مما هو نقيض وخلاف هذه اللحظة، لحظة الوقوف يد واحدة والتجرؤ أخيراً على قول "لا!". لكن بفضل طبيعة هذه اللحظة اليوتوبية، فهي غير قابلة للتدمير. ما إن تم استحضارها، فلا يمكن مسحها من أذهان الناس ومخيلاتهم ثانية. إنها تجربة – مع اختلاف الألوان ومن مختلف وجهات النظر التي شهدت عليها – كافية بأن تترك علامتها على جيل بأسره.

الثورة ليست أمراً عابراً سريعاً، فهي تتطلب الإصرار. وهناك أنواع مختلفة من الإصرار التي تتمتع بها هذه اللحظة. الإصرار على التغيير في النظام السياسي وما يحيطه من نظام اقتصادي ضروري، ولم يتحقق بعد. هذه القضية ستشهد صراع طويل. وهناك نقاط أخرى يتركز عليها الإصرار، هي نفسية أكثر وذات طبيعة أبعد تاثيراً، وها هي قد أصبحت بالفعل جزء من "الحال الطبيعية". هناك نقطة محددة مدهشة، لأنها تشهد حالياً نقاش واسع من المثقفين المصريين، وهي متعلقة بفكرة الرئيس الأب. في 4 فبراير أعلن نائب الرئيس عمر سليمان أن المصريين عليهم إبداء الاحترام للرئيس، لأن "مبارك هو الأب". بمعنى آخر، أحال سليمان المسألة على عقيدة اجتماعية مرتبطة بالحكم الأبوي، حيث لابد من احترام الأب حتى في حال الاختلاف معه. وهي محاولة ماكرة لاستغلال بعض المشاعر عميقة الجذور لدى الشعب، لكن في الوقت نفسه، تغيرت مشاعر مصريين كثيرين بشكل أوديبي مدهش. نموذج مدهش على ذلك، عندما قال ناشط في حوار إعلامي: "الأب مات". يجادل العديد من المثقفين الآن بأن هذه الثورة تتسم بحالة صراع فرويدية بامتياز، حالة قتل الأب. القتل الرمزي للاب السلطوي للأمة، كما يقولون، يعني أن المصريين اكتسبوا استقلالهم كأشخاص مستقلين بالغين.

استنتاجات أولية

ما زالت درجة نجاح الثورة المصرية غير واضحة مع كتابتي هذه السطور. الوضع حرج، والمصريون يواجهون على ما يبدو وبوضوح نضالاً طويلاً. أي كان "الحالة الطبيعية" الجديدة التي ستسفر عنها الثورة، فهي أكيدة المعالم: جيل من المصريين الذين شاركوا في هذه الثورة لا يمكن أبداً أن يُحكموا بنفس طريقة ما قبل الثورة. هذه التجربة من العمل والتغيير للأوضاع بأيديهم، والخروج بنجاح إلى الشوارع في 25 يناير وتصديهم بنجاح للشرطة في 28 يناير، وإرساء القانون والنظام في غياب الشرطة بعد أعمال نهب 29 يناير، وتنظيم مظاهرات جماعية سلمية كبرى ووضع النظام السياسي كاملاً تحت الضغط، كل هذا غير من طريقة فهمهم لنطاق الممكن في العمل العام. أي محاولة لحُكم هؤلاء، سواء حكومة ديمقراطية أو نظام سلطوي يتمكن من لم شتاته من جديد، لابد أن تأخذ هذا التغيير في الاعتبار.

من ثم، فإنني أعلن وصولي إلى أعتاب نتيجة نظرية مبدئية. قال ميشيل فوكو كما يعرف الجميع بأن القوة لا تعني غياب واستبعاد المقاومة، لكن كل شكل من أشكال القوة يخلق معه شكل معين من أشكال المقاومة. "الحالة الطبيعية" في السنوات الماضية ولحظة الثورة التي بدأت في 25 يناير تُلزمني بقلب هذه المقولة رأساً على عقب: قبل الثورة كان "النظام" قوامه في حقيقة الأمر وإلى حد بعيد، شعب يحاول تجمله والتكيف معه، مما أعطاه هيئة شريرة ومهينة في الحقيقة. مع استمرار الثورة فإن "النظام" الذي يحاول المصريون أن ينقلبوا عليه حالياً، يتبدل سريعاً على يد النظام السياسي في رد فعل لحركة شعبية تلقائية تُدهش النخبة الحاكمة بلا توقف. بعد الثورة، سوف تظهر أساليب حكم جديدة لمصر، أفضل أو أسوأ. إذن، فمع قلب مقولة فوكو رأساً على عقب، يصح القول أن الثورة المصرية أظهرت أن كل شكل من أشكال المقاومة يُنتج شكل معين من القوة.


[1]  الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
[2]  Governmentality and subjectivation المصطلحان اصطكهما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: حكّومة (تُنطق كما تُنطق عولمة) بمعنى "الممارسات ذات الطبيعة النظامية (العقليات والآليات) التي يُحكم بها الشعب". الموضعة، مشتقة من موضوع، الموضعة تسبق الموضوع، كما تسبق القولبة القالب. تعريف المصطلحان اجتهاد من المترجم وقد يصيب وقد يخطئ.

2 comments:

Monica said...

Loved it! I love Foucault! I have used many of his works when years ago, I wrote a paper on how governance of archaeological space was underway in Egypt. Back then, there were no walls around archaeological sites like today! Now, I am returning to that with more emphasis on politics, archaeology and governance in a book for my Post-doc...Excellent work, please keep my posted when the book is out, would love to include it in my bibliography.
Monica Hanna

Maha E.Bahnassy said...

استاذ عمرو خيرى
مازلت انتظر رد سيادتك لتزويدى بعنوان البريد الالكترونى لللاجابة على استمارة الاستقصاء الخاصة بى حيث احتاج اليها فى وقت قريب ، وانا مهتمة بمدونتك ولذلك ارجو منك مساعدتى .
bloggingsurvey@yahoo.com
مها بهنسى
معيدة بكلية الاعلام جامعة القاهرة