Monday, April 22, 2013

مجتزأ من رواية "التصحيحات" لجوناثان فرانزن، وترجمتي



تصدر الرواية قريباً من الهيئة العامة للكتاب - سلسلة الجوائز

كل يوم يقضيه شيب في تجميل جثة مونولوج ميت درامياً هو يوم يدفع فيه ثمن سكنه وطعامه وترفيهه بالأساس من نقود أخته الصغيرة. اليوم يجر اليوم، نادراً ما يخرج من فراشه قبل الظهر. يستمتع بطعامه ونبيذه، ويرتدي ثياباً أنيقة بما يكفي لإقناع نفسه بأنه ليس في حالة يُرثى لها، ويتمكن في أربع أمسيات من كل خمس من إخفاء أصعب بواعث قلقه وخوفه ويستمتع بحياته مع جوليا. لأن المبلغ المدين به لدينيس كبير مقارنة بأجره من المراجعة اللغوية وقليل بمعايير أجور هوليود، راح يعمل أقل وأقل في مكتب براج كنوتر آند سبيج. شكواه الوحيدة كانت في صحته. في الأيام الصيفية التي يكون عمله فيها هو إعادة قراءة الفصل الأول، يشعر بالخوف من رداءة هذا الفصل التي لا ينفع معها علاج، فربما يسارع بالخروج لاستنشاق بعض الهواء، وقد يتمشى في شارع برودواي ويجلس على مقعد في ممشى باتري بارك سيتي، ويدع نسيم نهر هدسون يتسرب تحت ياقته، وينصت إلى صوت السيارات والطريق الذي لا يكل، وصيحات شباب ترايبيكا البعيدة، أبناء المليونيرات، فيغلب عليه الذنب. أن يكون بهذه الصحة والقوة وليس لديه شيء.. لا هو يستغل نوم ليلة الأمس المريح ولا نجاحه في تفادي الإصابة بدور برد، في أن ينتهي من عمل ما، ولا هو يشعر بشكل كامل بروح الإجازة فيغازل نساءً لا يعرفهن ويشرب كوكتيلات المارجريتا. يقول لنفسه: كان الأفضل أن أكون مريضاً أحتضر الآن، أثناء فترة الفشل هذه، مدخراً صحتي وحيويتي لموعد بعيد، حين ينتهي الفشل ولا يعرف كيف. من بين كل الأشياء التي ضيعها – نقود دينيس، وطيبة جوليا، وقدراته وتعليمه، والفرص التي تغدق عليه بها أطول فترة ازدهار اقتصادي في تاريخ أمريكا – كانت صحته وسلامته الوافرتين، هنا في ضوء الشمس إلى جوار النهر، هي التي تؤلمه أكثر من أي شيء.
نفدت منه النقود ذات جمعة في يوليو. في مواجهة عطلة أسبوعية مع جوليا، القادرة على أن تكلفه 15 دولاراً في كشك حلوى السينما، قام بإنزال كتب الماركسية عن أرفف مكتبته وأخذها إلى الإستراند في حقيبتين ثقيلتين للغاية. كانت أغلفة الكتب الورقية ما زالت بحالتها فوق الأغلفة المجلدة الداخلية، وسعرها مجمعة باهظ، هو 3900 دولار. قام موظف المكتبة بتقييمها باستخفاف ثم أطلق حُكمه: "خمس وستون".
ضحك شيب بطريقة متكلفة، عاقداً العزم على ألا يفاصل، لكن الطبعة البريطانية من كتاب يورجن هابرماس "المنطق وعقلنة المجتمع" التي وجد قراءتها صعبة للغاية، دعك من أن يكتب عن أفكار الكتاب، كلفته 95 دولاراً. لم يقدر على منع نفسه من أن يشير إلى هذه النقطة على سبيل ضرب المثال.
قال الموظف ويداه تتراجعان عن درج النقود: "حاول أن تبيعها في مكان آخر إذن".
قال شيب: "لا لا، أنت محق. خمس وستون سعر عظيم".
كان من الواضح تماماً أنه اعتقد أن كتبه ستعود عليه بمئات الدولارات. أبتعد عن الكتب، متذكراً كيف دعاه إليه كل كتاب من هذه الكتب وهو على رفّه في المكتبة التي اشتراه منها، واعداً إياه بنقد راديكالي للمجتمع الرأسمالي، وكم كان سعيداً عندما عاد بكل كتاب منهم إلى البيت. لكن يورجن هابرماس ليست لديه أطراف جوليا الطويلة الندية الجميلة كشجرة الكمثرى. تيودور أدورنو لا يتمتع برائحة جوليا العنبية المخلوطة بتلك الليونة العربيدة، وليس عند فريد جيمسون لسان جوليا المُبدع الفنان. مع بداية أكتوبر، بعد أن أرسل شيب نصه المنتهي إلى إدين بروكورو، كان قد باع مجموعة كتبه عن النظرية النسوية، ونظرية البنيوية وما بعد البنيوية والفرويدية، ونظرية المثلية الجنسية. لجمع النقود اللازمة للغداء مع والديه ودينيس، أصبح كل ما تبقى له هو كتب التاريخ الثقافي المحببة إلى قلبه، وسلسلة شكسبير الكاملة طبعة "أردين"، ولأن ثمة سحر ما في كتب شكسبير – مجموعة الكتب الأنيقة في أغلفتها الزرقاء الشاحبة يكمن فيها إحساس بالملاذ الآمن – حشر كتب فوكو وجرينبلات وهوكس وبوفي في حقائب شحن وباعها جميعاً مقابل 115 دولارا.

4 comments:

بلال فضل said...

شكرا يا أستاذ عمرو على ترجمة هذه الرواية كان نفسي أقراها من زمان.. هي طلعت ولالسه

بلال فضل said...

شكرا يا أستاذ عمرو على ترجمة هذه الرواية كان نفسي أقراها من زمان.. هي طلعت ولالسه

Unknown said...

استاذ بلال، للاسف لم ار تعليقك سوى اليوم. لم تقدر بعد، كما لم تقدر اي اعمال جديدة من سلسلة الجوائز منذ عام ونصف تقريبا. ربنا يحنن قلبهم علينا ويطبعوا.

Unknown said...

استاذ بلال، للاسف لم ار تعليقك سوى اليوم. لم تقدر بعد، كما لم تقدر اي اعمال جديدة من سلسلة الجوائز منذ عام ونصف تقريبا. ربنا يحنن قلبهم علينا ويطبعوا.