أغنية لولاد الكلب
الورد الورد
انحلّت المشانق
عن رقابهم.. انفكّت مسامير صلبانهنّ.. تبدل شخوص الموت فوراً إلى تبسّم وتبادلوا
النظرات ثم انطلقوا في خطوات سريعة مصممة إلى محطة القطار. المُعارض والمريض وابن
السبيل واليتامى والمساكين ومن تحيّرهم أفكارهم ومن ترددوا فأحجموا عن الهرب من
المشانق ووقفوا ينظرون إليها، ذات يوم، فأخذهم الجلادون إليها وعلقوهم، أخذوهن
إليها وعلقوهنّ.
قالت الجميلة آه.
1
وقفت الجميلة في
المظاهرة، الحر والعطش وقلة من المارقين من حولها، وسط مجموعة هي مثلها، تتحلقها عيون
فضولية خائفة. وقفت الجميلة في المظاهرة تنتظر مصيرها الذي تمضي إليه باختيارها،
حولها مجموعة من العيون الميتة.
2
ركبوا القطار فمضى
بهم والشمس رائعة من وراء الشبابيك، والشمس تبث فيهم الحياة تدفئهم وتلعق جراحهم
التي لم تعد مؤلمة. استقامت رأس هنا واعتدل كتفان متهدلان هناك، تحت الشمس القادمة
من وراء شبابيك القطار. غنّوا سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة، غنوا اتجمعوا
العشاق في سجن القلعة، غنوا قالت الجميلة آه، غنوا معاً بصوت واحد عذب كريم لا
يتخلله خوف ولا تشوبه شائبة ملل.
خرج القطار يشق
طريقه على قضبانه من المدينة إلى نواحي الشرق، إلى الشمس، فأصبحت الشمس تشرق على
غابة مترامية لا أول لها ولا آخر، مضى القطار إلى جوار نهر، إلى نهر، إلى نهر، يسبح
في تياره الورد البلدي والحيوانات البرّية. رأت الجميلة من وراء شباكها كل ما تمنت
أن تراه في رحلات حلمت بها إلى بلاد أخرى بعيدة.. الخضرة تعانق الماء، والماء
يحتضن الحياة، والحياة تراقص الشمس بلا أي تحفظات. كانت تعرف أن عليها أن تقفز من
القطار هنا وتذهب إلى كل هذا، لكنها لم تفعل. عادت عيناها إلى رفاق القطار، وقف
أحدهم مبتسماً، فانتبه له الجميع وقال ناظراً إليها: إحنا آسفين، مقدرناش نبص في عينك
وننطق كلمة واحدة، سامحينا يا ماما الكريمة. ضحكت الجميلة ونهضت إليه واحتضنته
وطبطبت على ظهره وقالت الجميلة آه آه، ننسى كل حاجة ونروح البحر، والعُمر طويل
ملوش أخِر يا صاحبي.
الورد الورد
وقف القطار عند
البحر، لم يسأل أحد كيف مضت بهم القضبان إلى هذه البقعة الجميلة ولا كيف امتدت
القضبان على الرمل الناعم كماء الذهب. نزلت
البنات ونزل الأولاد، مضوا يهرولون إلى شط الماء. جلسوا بملابسهم الدامية المقطعة
على شط الماء، الموج يأتي خفيفاً هامساً يلعق الرمل ويطفئ الجراح. جلسوا طويلاً
ينظرون إلى الأفق، وكانت الشمس دافئة لا تزعج أحداً، ورقدت الجميلة على ظهرها
وانساب الموج الخفيف إلى شعرها يلاعبه. نظرت إلى السماء الزرقاء من غير سُحب وفعل
مثلها - ماما الكريمة - كل من حولها. قالت لا قادة هنا ولا أتباع، سنعيش في هذا
المكان إلى الأبد. ونزلت إليهم مائدة سماوية حافلة فقالوا في نفس واحد قررنا أن
هنا.. لا جوع ولا عطش، فلتصعدي في سلام من حيث جئت، شكراً جزيلاً.
قالت الجميلة أه
1
خرجت في وجه
العدم أقول لا فسلسلتني العيون الخائفة، سلسلتني العيون الميتة. أخذوني من الشارع
العريض إلى الزنزانة الضيقة. أدخلوني المحكمة مقيدة وألبسوني اللون الأبيض وقالوا
إنني مذنبة بتكدير الأمن العام والعمل على تقويض نظام الحكم وإسقاط الدولة المتينة
وإهانة الشعور القومي المجيد. قلت آه فقالت العيون السجن السجن، مثلك لا مكان لهم
بيننا في عالم العقلاء. قضيت في السجن عمراً وكنت في كل يوم يأخذوني لأطل على
المشنقة المنصوبة والصليب الخشب. اجتزت عتبة قدّروها فلم يعد لي مكان بينهم.
2
خُفت وعشت في
الخوف عمراً، وكنت كلما اقترب من حد الاستسلام تنزع روحي للعودة رغماً عني إلى تلك
المساحة الوسط بين اللا والنعم. عشت في مكان لا قدم فيه لبشر، لا أنا مثلهم ولا
أنا مثل نفسي، لا أنا هناك ولا أنا هنا. وكانت المشنقة هناك، وكانت المشنقة هنا
وأنا في المنتصف حتى أيقنت أن النهاية آتية فذهبت إلى مشنقة من الاثنتين، لا يهمني
أيّهما كانت، وعلقت رقبتي بيدي في الحبل. وها أنا هنا بينكم على شط الماء.
3
كان الجوع رفيقي
لم أعرف شعوراً غيره. الجوع للطعام والجوع للدفء والجوع للحياة العادية. كنت أتسول
في المواسم وأبيع نفسي في إشارات المرور مقابل اللقمة التالية. قضيت في الزنازين
عمراً وعرفتها وعرفتني وكانت جدرانها لي بيتاً وقت أن يشتد علي القهر. نادى الشباب
أن الشعب يريد فقلت أنا منه، قالوا سقوط النظام فقلت أنا منكم. ضربتني العصا
وأخذوني إلى السجن فوجدته غير السجن الذي أعرفه. علقوني في المشنقة فابتسمت وقلت خير،
لا جوع أخيراً ولا عطش.
الورد الورد
سمعوا جميعاً
القطار يصفّر ويطلق لهم التحية، لم ينظروا إليه وهو يستدير من حيث جاء ويبتعد إلى
الأبد. جلست شابة صغيرة تلعب بأصابعها الناعمة في الرمل.. ترسم صوراً وأنساقاً في
الرمل فتأتي الموجة تنعّم رسمها وتقترح عليها أشكالاً جديدة. ضحكت، وضحكت شابة إلى
يسارها وضحك شاب إلى يمينها. تعانقوا وبكوا طويلاً بكاءً مع كل دمعة منه ترحل عن
كل منهم سنة من الأسى.
قالت الجميلة آه
عاشوا على شط البحر إلى الأبد. لا حاجة بهم إلى أي
مدد، ولا رغبة في سباحة أو مغامرة. في كل مرة تنطلق حناجرهم في أغنية جماعية
وكأنها أجمل أغنية. في كل مرة يتجمعون يحكي أحدهم حكاية ينصتون وكأنها أول وأخر
الحكايات. تحت الشمس وتحت النجوم والمجرات، اللحظة تمّر كأنها أول لحظة في الكون،
والنسمة تعبر كأنها يد الأم الحانية تحلّق على جنينها داخل الرحم. وكانت العيون
الخائفة، العيون الميتة، بعيدة أبعد من النجوم لا تعرف شيئاً ولا ترى بشراً.
1 comment:
جميلة ... ذكرتني بأغنية فيروز ... ملآى بغموض الآتي وبفرح الأعياد.
Post a Comment