Saturday, August 30, 2014

أغنية لولاد الكلب


الورد الورد

انحلّت المشانق عن رقابهم.. انفكّت مسامير صلبانهنّ.. تبدل شخوص الموت فوراً إلى تبسّم وتبادلوا النظرات ثم انطلقوا في خطوات سريعة مصممة إلى محطة القطار. المُعارض والمريض وابن السبيل واليتامى والمساكين ومن تحيّرهم أفكارهم ومن ترددوا فأحجموا عن الهرب من المشانق ووقفوا ينظرون إليها، ذات يوم، فأخذهم الجلادون إليها وعلقوهم، أخذوهن إليها وعلقوهنّ.

قالت الجميلة آه.

1

وقفت الجميلة في المظاهرة، الحر والعطش وقلة من المارقين من حولها، وسط مجموعة هي مثلها، تتحلقها عيون فضولية خائفة. وقفت الجميلة في المظاهرة تنتظر مصيرها الذي تمضي إليه باختيارها، حولها مجموعة من العيون الميتة.

2

ركبوا القطار فمضى بهم والشمس رائعة من وراء الشبابيك، والشمس تبث فيهم الحياة تدفئهم وتلعق جراحهم التي لم تعد مؤلمة. استقامت رأس هنا واعتدل كتفان متهدلان هناك، تحت الشمس القادمة من وراء شبابيك القطار. غنّوا سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة، غنوا اتجمعوا العشاق في سجن القلعة، غنوا قالت الجميلة آه، غنوا معاً بصوت واحد عذب كريم لا يتخلله خوف ولا تشوبه شائبة ملل.

خرج القطار يشق طريقه على قضبانه من المدينة إلى نواحي الشرق، إلى الشمس، فأصبحت الشمس تشرق على غابة مترامية لا أول لها ولا آخر، مضى القطار إلى جوار نهر، إلى نهر، إلى نهر، يسبح في تياره الورد البلدي والحيوانات البرّية. رأت الجميلة من وراء شباكها كل ما تمنت أن تراه في رحلات حلمت بها إلى بلاد أخرى بعيدة.. الخضرة تعانق الماء، والماء يحتضن الحياة، والحياة تراقص الشمس بلا أي تحفظات. كانت تعرف أن عليها أن تقفز من القطار هنا وتذهب إلى كل هذا، لكنها لم تفعل. عادت عيناها إلى رفاق القطار، وقف أحدهم مبتسماً، فانتبه له الجميع وقال ناظراً إليها: إحنا آسفين، مقدرناش نبص في عينك وننطق كلمة واحدة، سامحينا يا ماما الكريمة. ضحكت الجميلة ونهضت إليه واحتضنته وطبطبت على ظهره وقالت الجميلة آه آه، ننسى كل حاجة ونروح البحر، والعُمر طويل ملوش أخِر يا صاحبي.

الورد الورد

وقف القطار عند البحر، لم يسأل أحد كيف مضت بهم القضبان إلى هذه البقعة الجميلة ولا كيف امتدت القضبان على الرمل الناعم كماء الذهب.  نزلت البنات ونزل الأولاد، مضوا يهرولون إلى شط الماء. جلسوا بملابسهم الدامية المقطعة على شط الماء، الموج يأتي خفيفاً هامساً يلعق الرمل ويطفئ الجراح. جلسوا طويلاً ينظرون إلى الأفق، وكانت الشمس دافئة لا تزعج أحداً، ورقدت الجميلة على ظهرها وانساب الموج الخفيف إلى شعرها يلاعبه. نظرت إلى السماء الزرقاء من غير سُحب وفعل مثلها - ماما الكريمة - كل من حولها. قالت لا قادة هنا ولا أتباع، سنعيش في هذا المكان إلى الأبد. ونزلت إليهم مائدة سماوية حافلة فقالوا في نفس واحد قررنا أن هنا.. لا جوع ولا عطش، فلتصعدي في سلام من حيث جئت، شكراً جزيلاً.

قالت الجميلة أه

1

خرجت في وجه العدم أقول لا فسلسلتني العيون الخائفة، سلسلتني العيون الميتة. أخذوني من الشارع العريض إلى الزنزانة الضيقة. أدخلوني المحكمة مقيدة وألبسوني اللون الأبيض وقالوا إنني مذنبة بتكدير الأمن العام والعمل على تقويض نظام الحكم وإسقاط الدولة المتينة وإهانة الشعور القومي المجيد. قلت آه فقالت العيون السجن السجن، مثلك لا مكان لهم بيننا في عالم العقلاء. قضيت في السجن عمراً وكنت في كل يوم يأخذوني لأطل على المشنقة المنصوبة والصليب الخشب. اجتزت عتبة قدّروها فلم يعد لي مكان بينهم.

2

خُفت وعشت في الخوف عمراً، وكنت كلما اقترب من حد الاستسلام تنزع روحي للعودة رغماً عني إلى تلك المساحة الوسط بين اللا والنعم. عشت في مكان لا قدم فيه لبشر، لا أنا مثلهم ولا أنا مثل نفسي، لا أنا هناك ولا أنا هنا. وكانت المشنقة هناك، وكانت المشنقة هنا وأنا في المنتصف حتى أيقنت أن النهاية آتية فذهبت إلى مشنقة من الاثنتين، لا يهمني أيّهما كانت، وعلقت رقبتي بيدي في الحبل. وها أنا هنا بينكم على شط الماء.

3

كان الجوع رفيقي لم أعرف شعوراً غيره. الجوع للطعام والجوع للدفء والجوع للحياة العادية. كنت أتسول في المواسم وأبيع نفسي في إشارات المرور مقابل اللقمة التالية. قضيت في الزنازين عمراً وعرفتها وعرفتني وكانت جدرانها لي بيتاً وقت أن يشتد علي القهر. نادى الشباب أن الشعب يريد فقلت أنا منه، قالوا سقوط النظام فقلت أنا منكم. ضربتني العصا وأخذوني إلى السجن فوجدته غير السجن الذي أعرفه. علقوني في المشنقة فابتسمت وقلت خير، لا جوع أخيراً ولا عطش.

الورد الورد

سمعوا جميعاً القطار يصفّر ويطلق لهم التحية، لم ينظروا إليه وهو يستدير من حيث جاء ويبتعد إلى الأبد. جلست شابة صغيرة تلعب بأصابعها الناعمة في الرمل.. ترسم صوراً وأنساقاً في الرمل فتأتي الموجة تنعّم رسمها وتقترح عليها أشكالاً جديدة. ضحكت، وضحكت شابة إلى يسارها وضحك شاب إلى يمينها. تعانقوا وبكوا طويلاً بكاءً مع كل دمعة منه ترحل عن كل منهم سنة من الأسى.

قالت الجميلة آه

عاشوا على شط البحر إلى الأبد. لا حاجة بهم إلى أي مدد، ولا رغبة في سباحة أو مغامرة. في كل مرة تنطلق حناجرهم في أغنية جماعية وكأنها أجمل أغنية. في كل مرة يتجمعون يحكي أحدهم حكاية ينصتون وكأنها أول وأخر الحكايات. تحت الشمس وتحت النجوم والمجرات، اللحظة تمّر كأنها أول لحظة في الكون، والنسمة تعبر كأنها يد الأم الحانية تحلّق على جنينها داخل الرحم. وكانت العيون الخائفة، العيون الميتة، بعيدة أبعد من النجوم لا تعرف شيئاً ولا ترى بشراً.

Monday, April 22, 2013

تويتات من الـ 18 يوم



والله متنيلة مستمرة

مجتزأ من رواية "التصحيحات" لجوناثان فرانزن، وترجمتي



تصدر الرواية قريباً من الهيئة العامة للكتاب - سلسلة الجوائز

كل يوم يقضيه شيب في تجميل جثة مونولوج ميت درامياً هو يوم يدفع فيه ثمن سكنه وطعامه وترفيهه بالأساس من نقود أخته الصغيرة. اليوم يجر اليوم، نادراً ما يخرج من فراشه قبل الظهر. يستمتع بطعامه ونبيذه، ويرتدي ثياباً أنيقة بما يكفي لإقناع نفسه بأنه ليس في حالة يُرثى لها، ويتمكن في أربع أمسيات من كل خمس من إخفاء أصعب بواعث قلقه وخوفه ويستمتع بحياته مع جوليا. لأن المبلغ المدين به لدينيس كبير مقارنة بأجره من المراجعة اللغوية وقليل بمعايير أجور هوليود، راح يعمل أقل وأقل في مكتب براج كنوتر آند سبيج. شكواه الوحيدة كانت في صحته. في الأيام الصيفية التي يكون عمله فيها هو إعادة قراءة الفصل الأول، يشعر بالخوف من رداءة هذا الفصل التي لا ينفع معها علاج، فربما يسارع بالخروج لاستنشاق بعض الهواء، وقد يتمشى في شارع برودواي ويجلس على مقعد في ممشى باتري بارك سيتي، ويدع نسيم نهر هدسون يتسرب تحت ياقته، وينصت إلى صوت السيارات والطريق الذي لا يكل، وصيحات شباب ترايبيكا البعيدة، أبناء المليونيرات، فيغلب عليه الذنب. أن يكون بهذه الصحة والقوة وليس لديه شيء.. لا هو يستغل نوم ليلة الأمس المريح ولا نجاحه في تفادي الإصابة بدور برد، في أن ينتهي من عمل ما، ولا هو يشعر بشكل كامل بروح الإجازة فيغازل نساءً لا يعرفهن ويشرب كوكتيلات المارجريتا. يقول لنفسه: كان الأفضل أن أكون مريضاً أحتضر الآن، أثناء فترة الفشل هذه، مدخراً صحتي وحيويتي لموعد بعيد، حين ينتهي الفشل ولا يعرف كيف. من بين كل الأشياء التي ضيعها – نقود دينيس، وطيبة جوليا، وقدراته وتعليمه، والفرص التي تغدق عليه بها أطول فترة ازدهار اقتصادي في تاريخ أمريكا – كانت صحته وسلامته الوافرتين، هنا في ضوء الشمس إلى جوار النهر، هي التي تؤلمه أكثر من أي شيء.
نفدت منه النقود ذات جمعة في يوليو. في مواجهة عطلة أسبوعية مع جوليا، القادرة على أن تكلفه 15 دولاراً في كشك حلوى السينما، قام بإنزال كتب الماركسية عن أرفف مكتبته وأخذها إلى الإستراند في حقيبتين ثقيلتين للغاية. كانت أغلفة الكتب الورقية ما زالت بحالتها فوق الأغلفة المجلدة الداخلية، وسعرها مجمعة باهظ، هو 3900 دولار. قام موظف المكتبة بتقييمها باستخفاف ثم أطلق حُكمه: "خمس وستون".
ضحك شيب بطريقة متكلفة، عاقداً العزم على ألا يفاصل، لكن الطبعة البريطانية من كتاب يورجن هابرماس "المنطق وعقلنة المجتمع" التي وجد قراءتها صعبة للغاية، دعك من أن يكتب عن أفكار الكتاب، كلفته 95 دولاراً. لم يقدر على منع نفسه من أن يشير إلى هذه النقطة على سبيل ضرب المثال.
قال الموظف ويداه تتراجعان عن درج النقود: "حاول أن تبيعها في مكان آخر إذن".
قال شيب: "لا لا، أنت محق. خمس وستون سعر عظيم".
كان من الواضح تماماً أنه اعتقد أن كتبه ستعود عليه بمئات الدولارات. أبتعد عن الكتب، متذكراً كيف دعاه إليه كل كتاب من هذه الكتب وهو على رفّه في المكتبة التي اشتراه منها، واعداً إياه بنقد راديكالي للمجتمع الرأسمالي، وكم كان سعيداً عندما عاد بكل كتاب منهم إلى البيت. لكن يورجن هابرماس ليست لديه أطراف جوليا الطويلة الندية الجميلة كشجرة الكمثرى. تيودور أدورنو لا يتمتع برائحة جوليا العنبية المخلوطة بتلك الليونة العربيدة، وليس عند فريد جيمسون لسان جوليا المُبدع الفنان. مع بداية أكتوبر، بعد أن أرسل شيب نصه المنتهي إلى إدين بروكورو، كان قد باع مجموعة كتبه عن النظرية النسوية، ونظرية البنيوية وما بعد البنيوية والفرويدية، ونظرية المثلية الجنسية. لجمع النقود اللازمة للغداء مع والديه ودينيس، أصبح كل ما تبقى له هو كتب التاريخ الثقافي المحببة إلى قلبه، وسلسلة شكسبير الكاملة طبعة "أردين"، ولأن ثمة سحر ما في كتب شكسبير – مجموعة الكتب الأنيقة في أغلفتها الزرقاء الشاحبة يكمن فيها إحساس بالملاذ الآمن – حشر كتب فوكو وجرينبلات وهوكس وبوفي في حقائب شحن وباعها جميعاً مقابل 115 دولارا.

Monday, January 14, 2013

أوراق الجارح ومتاهة توالد الحكايات


عندما انتهيت من الصفحة الأخيرة من رواية أوراق الجارح، رأيت فوراً جدارية ضخمة لرؤوس رجال ونساء من كل الأعمار يقفون جميعاً ينظرون في لا مبالاة وتحدٍ إلى قارئ وحيد، هم أبناء الصعيد، من طبقاته الأكثر تهميشاً وفقراً ومعاناة، هم شخصيات هذه الرواية الطموحة أشد الطموح للتعبير عن مجتمع كامل في إيجاز وتكثيف مدهش.

في أوراق الجارح نعيش داخل وعي الجارح عبد الباري، المناضل اليساري الذي يحمل جراح وإحباطات وتجارب اليسار المصري في الصعيد، نرى العالم من عينيه، ونشعر مع تقليب الصفحات ضرورة أن يقف الجارح هنا أو هناك ليعود بالسرد إلى خيوط الرواية التقليدية الواضحة، ليقدم لنا "حكاية" ذات بداية ونهاية وعقدة وحل، أو على الأقل – لمن يعرف عالم خالد إسماعيل المتشابك المعقد – نتوقع مجموعة من الحكايات تدور حول حدث مركزي. لكن الجارح يمضي بلا توقف، يخرج من شخصية إلى أخرى، ومن أسرة إلى أسرة، ومن بيت بلا بيت، واضعاً يده على مواضع الألم، حتى يصبح التوليد الحكائي – توالد الحكايات واحدة من داخل سابقتها كما في عالم ألف ليلة وليلة – هو الفعل الأساسي في الرواية، ماضياً بها إلى كشف واقع قبيح لا يجرؤ ولا يقدر على تقديمه غير قلّة من المنشغلين بالأدب.

ثم لا يقتصر الأمر على توالد الحكايات خطياً بشكل بسيط، بمعنى أن تحيل حكاية إلى التالية وهلم جرا، بل يتحول الجارح عبد الباري – الراوي – من سرد واقعه إلى جملة اعتراضية طويلة في متن الرواية، يتحول فيها إلى كتابة "قصة" يلخص فيها واقعه البائس، ثم يعود مرة أخرى إلى ما يمكن اعتباره ختام للرواية، بتناول عدد من الشخصيات الإضافية وكأنها هامش ضروري لا غنى عنه، يكتبها هذه المرة بصفتها مذكرات مختتماً بها تجربته مع المكان.

المدهش في "أوراق الجارح" أنها تستخدم أدوات التوليد الحكائي بنفس المهارة المعهودة في خالد إسماعيل، رائد هذا التوجه في جيل التسعينيات، لكنها في أوراق الجارح هي في رأيي غاية الكتابة ومحورها. وليس الأدب المهم المُقدّر له البقاء والاستمرارية بالأدب السهل على القارئ دائماً. في الأدب الأمريكي مثلاً الروائي الشهير توماس بينشون، من رواد رواية ما بعد الحداثة الأمريكية، الذي قدم رواية "V"، مستعيناً بالتوليد الحكائي، والبنية غير الخطية للسرد، فيبدأ من طرفين بعيدين في بداية الرواية، في مسارين منفصلين تماماً، ثم يقترب شيئاً فشيئاً من نقطة التقاء المسارين في النهاية، وفي الطريق يستعين بتوالد الحكايات والقصة داخل القصة والمذكرات داخل مسار حكي الراوي العليم، حتى يقدم عالماً متكاملاً، شبهه قرائه المخلصون بأنه عالم من متاهات الأحلام، رائعة في حد ذاتها، وتُكوّن في النهاية كياناً واحداً يراه كل قارئ كما يشاء، فنصبح بصدد عالم في غاية الثراء والتنوع والقابلية للتأويل.


ليس منطلقات كتابة خالد إسماعيل وكُتاب الرواية ما بعد الحديثة في الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية واحدة على الإطلاق، لكن ما لفت انتباهي لهذه المقارنة أمرين: أولاً –  وجود شبه استحالة في ترجمة روايات خالد إسماعيل إلى لغات أخرى، ووجود نفس الاستحالة في ترجمة روايات توماس بينشون إلى لغات أخرى، فكل منهما يكتب لقارئه المحلي بكل إخلاص، فكلما زاد اقتراب القارئ من المكان ومفرداته شديدة الخصوصية؛ زاد استيعابه للعمل. ثانياً – استخدام الكاتبين للتوليد الحكائي بقدر مدهش من المهارة، حتى تصبح هذه الأداة في حد ذاتها وهي طيعة هكذا في يد الكاتب مناط جدارة ومبعث دهشة دائمة للقارئ المنفتح على تقبل كتابة أدبية مختلفة. المختلف بين الكاتبين هو كل شيء آخر، غير أن ما يجب أن نتوقف عنده فيما يخص الاختلاف بينهما، هو مصير روايات وعالم توماس بينشون، الذي تحوّل فوراً إلى أيقونة أدبية ضخمة، ومرجعية يُقاس إليها الأدباء الجدد الطامحون إلى الاعتراف والجوائز. بينما تعامل المشهد النقدي المصري مع أدب خالد إسماعيل بقدر من الاستعلاء والتجاهل، فاعتبروا الكتابة من منطلقات أيديولوجية عيباً، واعتبروا كتابته التي تفتح للأدب المصري مساراً شديد الثراء والتنوع كتابة تقليدية.

لكن المؤكد أن الأدب الجيد له دورات حياة لا تنتهي. صدرت الطبعة الثانية من رواية "أوراق الجارح" بعد سنوات من الطبعة الأولى، وها هي الرواية تجد لها قارئها الجديد، وسيبقى الأدب الجاد الصادق المعبر عن تيار الإبداع المصري الحقيقي، وسيختفي كل ما هو دون ذلك، ذاهباً إلى حيث ذهب دعاة التنوير المزيفون الرجعيون مع بداية الثورة. 

Sunday, August 5, 2012

ضحك طليق كالغزلان


الولد ابن الناس المستورين ركب العجلة وقرر يذهب إلى التحرير. طلع من بيتهم في كوبري الخشب، طلع سلم المشاة فوق شريط القطار والعجلة بين يديه، طلع ونزل، تسلل من بين البائعين والمشترين المرتعشين وخرج إلى موقف الميكروباص، ركب العجلة وانطلق في شارع التحرير في طريقه إلى ميدان التحرير. أمه كانت تشتكي من وقف الحال وقلة أدب الشباب، وأبوه صامت لا ينطق، خائف وحزين لا يُعزى، وهو يحب ركوب العجلة ساعة العصر. ارتدى مخصوص لهذه الرحلة الطويلة الكوتشي الأبيض والسويتر الأسود الذي يطير ورائه عندما يجري بالعجلة كالريح، ولم يقل لأخوته وأولاد الجيران الذين يلعب معهم أنه خارج بالعجلة وحده إلى ميدان التحرير.

مشاهد التلفزيون من يوم موقعة الجمل ذكرته بفيلم الأرض.. الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا.. وذكرته بأفلام سبايدرمان وباتمان وهاري بوتر، أصبح يعرف أن الناس في التحرير طيبين وأن "البلطجية" أشرار، يرمون الطيبين بالنار والرصاص، رأى النار ولم ير الرصاص لكن لابد أن كان معهم رصاص، فالأشرار دائماً يطلقون الرصاص في الأفلام على الطيبين، لكن لم يفهم لماذا لم يرد الطيبون بالرصاص كما في الأفلام، ولا كيف هزموا الأشرار بدون ضرب وطيخ وطاخ وطش كما يفعل سبايدرمان.

الطريق إلى التحرير طويل، العرق – رغم الشتاء – ينهمر على حاجبيه ويتسلل إلى أنفه وفمه مذاقه ملح ساخن كالدموع. يخاف من نظرات الناس إليه عند ميدان الدقي، من عبور الميدان تحت الكوبري، هو ارتدى الكوتشي الأبيض مخصوص لأنه يشعر بالحرج من المشي بالشبشب خارج كوبري الخشب، عند الناس النضيفة، الناس عيونهم وكأنهم يعرفون أنه ذاهب إلى التحرير، وأمي لو عرفت هتموتني، لكن لا أحد منهم يعرفها، وهو متأكد أن لا أصدقاء ولا أقارب لهم يعيشون في شارع التحرير ليرونه من البلكونات.. أمه أخذته مرتين إلى السوبرماركت في الدقي وكان يرتدي الشبشب وكان يشعر بحرج بالغ وسط الناس النضيفة، كان لابد يا أمي أن أعرف أننا ذاهبون إلى هناك لأرتدي الكوتشي الأبيض، وأبوه منعه من النزول في "اللجنة الشعبية" "عشان الكلام ده مش للعيال، خليك مع أمك هنا وأخواتك" ونزل أبوه وعلى كتفه عصا مقشة ربطت له أمه في طرفها سكين المطبخ الكبير، فأصبحت حربة كتلك التي يصطاد بها البدائيون السمك. ولم يدعه أبوه يلمسها، وكان يخبئ "سلاحه" كلما عاد من الشارع قرب الفجر.. لكن الآن انتهى موضوع اللجنة الشعبية، وكف ضرب النار على سبيل التحية بين اللجان، وكف الجري على النواصي "حرامي هنا.. حرامي هناك"، وهو بعد مشهد الجمال والخيول في التلفزيون بكى كثيراً وأحس أن أبيه لن يحميه وأن الموت يأتي هكذا، سيموت كل الناس سيموت كل الناس.

يعرف أن بينه وبين التحرير الآن كوبري على النيل ثم كوبري آخر على النيل، يرى من بعيد طيارة ورق عليها ألوان علم مصر.. في الصباح التالي على المعركة صحى من النوم ليجد أمه أمام التلفزيون منكوشة الشعر تتفرج، ومشهد رمادي كالحلم، فيه الطيبين والأشرار ما زالوا على حالهم، والطيبون تمترسوا وراء جدران من صفيح وحديد وخشب، فرح، ارتاح، لن يموت الناس، لن يموت الناس.. بعد الكوبري الأول اقتربت منه الطيارة الورق، سمع هتافاً من بعيد، وناس من حوله في طريقهم إلى التحرير، عائلات، آباء وأمهات ومعهم أطفال، لكن أمه لو عرفت هتموته، لا يهم فهو هنا الآن. دخل الميدان، لم يكن خائفاً من كلام التلفزيون عن هؤلاء، من بعد معركة فيلم الأرض لم يعد خائفاً من هؤلاء، فهم طيبون، لن يؤذيه أحد.. هنا وهناك شباب ممصوص الخدود، على رؤوسهم شاش وقطن، منهم من ينام على الأرض، وعلب كشري فارغة كثيرة مصفوفة، مكتوب بها كلمة "أرحل" على الأسفلت، وشباب وبنات "من الكبار زي اللي في الكلية" بلون النور والبدر، يرفع عينيه إليهم، في الزحام الشديد ومعه العجلة، يمشي ببطء، الأكف تربت عليه برفق، لا أحد يتكلم، الكل مبتسم، الأكف تربت على كتفه برفق، تداعب رأسه، عرقه بدأ يجف من الهواء البارد بعد أن استراح، مال على الرصيف وجلس، خلع السويتر الأسود وكان تحته التي شرت الأحمر الذي يلبسه في البيت، مقطوع من تحت الياقة، لم يخجل، خلع الكوتشي ومسكه في يده وقرر أن يمشي حافياً فالأسفلت جميل.. يسمع هتافات تدوي كالرعد.. اررررحل.. اررررحل. والناس جميلة كالملائكة والجنة، والأسفلت المرسوم عليه بالطباشير، الأسفلت حشائش خضراء وأشجار عالية وأنهار من الماء الرقراق، ومظاهرة تمر أمامه، فيها أولاد وبنات في سنه، وكانوا يهتفون: مش هنمشي، هو يمشي، مش هنمشي، هو يمشي. الناس تساعد بعضها، تمتد أيادي الكبار فوقه إلى بعضهم، هذا الرجل يأخذ بيد هذه السيدة لتتجاوز سور الجنينة العالي، هذا العجوز يأخذ بيد ذلك الشاب الملفوف رأسه بالشاش ليعبر فوق غطاء البلاعة ويعطيه ساندوتش فينو، هو أيضاً امتدت إليه يد بساندوتش فينو لكنه قال: شكراً أنا مش جعان فألحت عليه اليد ذات السندوتش فأخذ السندوتش مكسوفاً ووضعه في جيب البنطلون وهو يشعر بالذنب. ورأى أولاداً مثل عيال بياعين الفاكهة في شارعهم، أحدهم يرتدي عمّة، إحدى عينيه مربوطة بالشاش والبلاستر، يرقص وسط حلقة من الناس على ضربات طبلة، أغنية لا يعرفها تذكره بالفلاحين، والولد رقصه جميل، يحجل على هذه القدم وتلك مبتسماً ورجال فوق سور المترو العالي في أيديهم طبول ودُف يغنون: حسني اتجنن، حسني اتجنن، ويؤدون بأيديهم حركة كالمروحة لصق الرأس إشارة إلى الجنون، حركة منتظمة جميلة دفعته للضحك بصوت عالي سعيد، ضحك طليق كالغزلان، وناس يرفعون نعشاً وينشدون: الجنازة حرة والميت كلب، الجنازة حرة والميت كلب، والأرض غابة خضراء والسماء شجر ونخيل عالي والميدان لم يعد رمادياً، الميدان ألوان زيت وألوان ماء وجنة مرسومة لوحات أجمل أجمل بكثير من أفلام سبايدرمان، وكان يعرف أن الله في السماء تقوّس على هيئة قبة كبيرة، تمتد من مجمع التحرير إلى ذلك التمثال هناك عند كوبري أكتوبر، وكان الله يقول بحناجر الشباب العنيد: الشعب.. يريد.. إسقاط.. النظام.

Thursday, May 10, 2012

حوار في رواية مُترجمة، ما زالت قيد الترجمة - عن إزاي البلاد بتتباع بالحتّة

قال جيتاناس: "طلبنا من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المساعدة. بما أنهم شجعونا على الخصخصة، ربما يهمهم أن دولتنا المخصخصة أصبحت منطقة من الأناركية، وأمراء الحرب المجرمين، ومزارع لا توفر الكفاف. للأسف ينظر صندوق النقد الدولي في شكاوى الدول العميلة لديه المفلسة من واقع إجمالي الدخل القومي للدولة. ليتوانيا كانت تحتل المرتبة السادسة والعشرين يوم الاثنين الماضي، في القائمة. الآن نحن في المرتبة الثامنة والعشرين. باراجواي سبقتنا. دائماً ما تسبقنا باراجواي".
قال شيب: "أخ".
"باراجواي لسبب ما هي سبب شقائي".
قالت إدين: "قلت لك يا جيتاناس إن شيب مدهش. لكن اسمع..."
"صندوق النقد الدولي يقول إنه يتوقع أن تمر فترة ست وثلاثون شهراً قبل أن تبدأ خطة إنقاذنا!"
جلست إدين بعنف على مقعدها: "هل يمكن أن ننهي المناقشة سريعاً؟"
أظهر جيتاناس لشيب ورقة من حقيبته. "أترى؟ هذه ورقة من الإنترنت، وثيقة من وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب الشؤون الأوروبية والكندية.. مكتوب هنا: الاقتصاد الليتواني مصاب بكساد ضخم، البطالة تبلغ عشرين في المائة تقريباً، الكهرباء والمياه تنقطع في فيلنيوس، وهي نادرة في الأماكن الأخرى. من هو المستثمر الذي سيضخ أموالاً في بلد كهذا؟"
قال شيب: "رجل أعمال ليتواني؟"
"نعم، اضحكتني".. نظر إليه جيتاناس نظرة تقدير.. "لكن ماذا لو كنا بحاجة لشيء مختلف على صفحة الإنترنت هذه والصفحات الشبيهة بها؟ ماذا لو حذفنا المكتوب هنا ووضعنا مكانه، بلغة إنجليزية أمريكية سليمة، أن بلدنا هرب من الوباء المالي الروسي؟ كأن نقول مثلاً إن معدل التضخم الليتواني يبلغ حالياً ستة في المائة، وأن نصيب الفرد الليتواني من احتياطي الدولار يعادل نصيب الألماني، وأن فائض التجارة يقارب المائة مليون دولار، بسبب استمرار الطلب القوي على الموارد الطبيعية الليتوانية!".
قالت إدين: "شيب، ستكون ممتازاً في هذا الدور".
قرر شيب في هدوء وثبات ألا ينظر إلى إدين أو يقول لها كلمة واحدة طالما هو حي.
سأل جيتاناس: "ما هي الموارد الطبيعية الليتوانية؟"
قال جيتاناس: "الرمال والحصى بالأساس".
"احتياطيات مهولة من الرمال والحصى. حسن".
قال جيتاناس وهو يغلق الحقيبة: "الرمال والحصى بوفرة. لكن، ها هو اختبار صغير لك: لماذا هذا الطلب غير المسبوق على هذه الموارد العجيبة؟"
"ازدهار مفاجئ في الإنشاءات في لاتفيا وفنلندا القريبتين؟ في لاتفيا الفقيرة في الرمال؟ في فنلندا التي يغيب عنها الحصى؟"
"وكيف أفلتت هاتان الدولتان من الانهيار الاقتصادي العالمي؟"
"لاتفيا عندها مؤسسات ديمقراطية قوية مستقرة. وهي عصب مالي قوي لدول البلطيق. فنلندا تضع قيوداً مشددة على رأس المال الأجنبي قصير الأجل، ونجحت في إنقاذ صناعة الأثاث الفنلندية ذائعة الصيت على مستوى العالم".
أومأ الليتواني برأسه، والسرور ظاهر على وجهه. ضربت إدين مكتبها بقبضتيها وقالت: "يا ربي يا جيتاناس، شيب عبقري! إنه يستحق مكافأة إضافية عند توقيع العقد، وإسكان درجة أولى في فيلنيوس وبدل وجبات بالدولار".
قال شيب: "فيلنيوس؟"
قال جيتاناس: "نعم، نحن نبيع وطناً. نريد زبوناً أمريكياً راضياً عن الأداء داخل الوطن. كما أن العمل على الإنترنت من هناك أكثر أماناً بكثير".
ضحك شيب: "هل تتوقع فعلاً أن يرسل لك مستثمرون أمريكان النقود؟ على أي أساس؟ بسبب نقص الرمال في لاتفيا؟"
قال جيتاناس: "إنهم يرسلون النقود بالفعل على أساس مزحة صغيرة لعبتها عليهم. ولا حتى الرمل والحصى، بل مجرد مزحة صغيرة. عشرات الآلاف من الدولارات بالفعل. لكن أريد منهم إرسال الملايين".
قالت إدين: "جيتاناس يا عزيزي، هذه هي اللحظة المناسبة. لن تجد موقفاً أكثر ملائمة لتصعد سريعاً. في كل مرة يضاعف شيب لك أرباحك، لابد أن تعطيه علاوة إضافية. صح؟ صح؟"
"إذا رأيت زيادة بقدر مائة ضعف في الأرباح، ثقي بي، سوف يصبح شيب رجلاً ثرياً".
"لكنني أقول: لم لا نجعل هذا الاتفاق كتابياً؟"
نظر جيتاناس في عين شيب، وأعلمه في صمت برأيه في مضيفتهما: "إدين، في هذه الورقة، ماذا سنكتب على سبيل وظيفة شيب؟ استشاري تزوير تحويلات نقدية دولي؟ مساعد متآمر أول؟"
قال شيب: "نائب رئيس هيئة التحريف عمداً".
صرخت إدين في استمتاع: "مسمى رائع!"
قالت أبريل: "انظري يا ماما".
قال جيتاناس: "اتفاقنا شفهي بالأساس".
قالت إدين: "بالطبع، لا شيء غير قانوني بالمرة فيما تفعلونه".
أجاب جيتاناس سؤالها بأن نظر إلى النافذة طويلاً. كان يبدو بالجاكيت الأحمر الجلدي المضلع كسائق موتوسيكلات سباق. قال: "بالطبع لا".
قالت إدين: "إذن ليس هذا احتيالاً في التحويلات النقدية".
"لا لا، احتيال وتحويلات؟ لا".
"لا أريد أن أبدو خائفة أو أي شيء، لكن ما سمعته هو الأقرب للاحتيال من أجل الحصول على تحويلات نقدية.
قال جيتاناس: "أصول بلدي جمعاء اختفت في بلدكم بكل يسر وسرعة. هناك دولة قوية غنية وضعت القواعد التي يموت بها الليتوانيون. لماذا أحترم هذه القواعد؟"
قال شيب: "هذا سؤال جدير بأن يناقشه فوكو بالضرورة".
قالت إدين: "هو أيضاً سؤال جدير بروبن هود. وهو ما لا يطمئنني على الصعيد القانوني".
"أنا أعرض على شيب خمسمائة دولار أسبوعياً، ومكافآت إضافية بالشكل الذي أراه. شيب، هل أنت مهتم؟"
قال شيب: "يمكنني جني نقود أفضل هنا".
قالت إدين: "فلتكن ألف يومياً على الأقل".
"الدولار يشتري الكثير في فيلنيوس".
قالت إدين: "أنا واثقة من هذا، وهو يشتري أكثر بكثير على القمر أيضاً. ماذا هناك للشراء؟"
قال جيتاناس: "شيب، قل لإدين إن الدولارات قادرة على شراء الأوطان الفقيرة".
قال شيب: "أعتقد أنكم تأكلون وتشربون جيداً".
"دولة نشأ جيلها الشاب في حالة من الأناركية الأخلاقية، والجوع".
"ربما ليس صعباً أن تجد فتاة رائعة تليق بك، إن كان هذا ما تقصده".
قال جيتاناس: "إن لم يفطر هذا فؤادك، أن ترى فتاة عذبة صغيرة من الضواحي تنكب على ركبتيها لـ..."
قالت إدين: "أخ! يا جيتاناس، هناك طفلة في الحجرة".
قالت أبريل: "أنا في جزيرة. ماما، أنظري إلى جزيرتي".
قال جيتاناس: "أنا أتحدث عن الأطفال. في الخامسة عشرة من العمر. هل معك دولارات؟ قد يصل السن إلى ثلاثة عشرة أو اثنتي عشرة سنة".
قال شيب: "اثنتي عشرة سنة ليس من المغريات بالنسبة لي".
"تفضل تسعة عشرة؟ تسعة عشرة أرخص".
قالت إدين وهي تصفق بيديها: "هذا بصراحة، إمم".
"أريد أن يفهم شيب لماذا يعتبر الدولار نقوداً كثيرة. لماذا يعتبر عرضي الذي أقدمه له عرضاً جيداً".
قال شيب: "مشكلتي أنني سأسدد ديوناً أمريكية بهذه الدولارات".
"صدقني نحن نعرف هذه المشكلة جيداً في ليتوانيا".
قالت إدين: "شيب يريد راتباً أساسياً بمقدار ألف دولار يومياً، بالإضافة إلى حوافز بحسب الأداء".
قال جيتاناس: "ألف دولار أسبوعياً. حتى أثبت جدية مشروعي. مقابل العمل الإبداعي.. لطمأنة المتصلين".
قالت إدين: "واحد في المائة من إجمالي الربح. بالإضافة إلى راتبه، عشرون ألف دولار شهرياً".
أمسك جيتاناس وهو يتجاهلها بمظروف سميك أخرجه من الجاكيت، وبدأ يعد بأصابعه طويلة الأظافر أوراق بنكنوت، كل ورقة بمائة دولار. جلست أبريل القرفصاء على رقعة الورق البيضاء، محاطة بوحوش خرافيين من شخبطات بعدة ألوان. ألقى جيتاناس كومة المئات على مكتب إدين. قال: "ثلاثة آلاف، الأسابيع الثلاثة الأولى".
قالت إدين: "ويحصل أيضاً على تذاكر طيران درجة أولى بالطبع".
"نعم، لا بأس".
"وإقامة درجة أولى في فيلنيوس".
"هناك حجرة في الفيلا، بسيطة".
"وتحميه من أمراء الحرب المجرمين أيضاً؟"
قال جيتاناس بابتسامة متعبة خجولة: "ربما كنت أمير حرب مجرم، إلى حد ما".

Tuesday, February 14, 2012

مقطع من رواية يترجمها العبد لله، الراجي عفوه ورضاه.. مش هاقول اسمها.. تشويق وإثارة

1
فن بسيط

ها أنذا قد مُتّ فأصبحت أعرف كل شيء. تمنيت أن تكون هذه المقولة صحيحة، لكن مثل الكثير من الأماني، لم تتحقق. لا أعرف إلا حقائق جزئية قليلة لم أكن أعرفها من قبل. وغني عن القول أن الموت ثمن باهظ للغاية من أجل إشباع الفضول.

منذ أصبحت ميتة.. منذ أصبحت على هذه الحالة من انعدام العظام وانعدام الشفتين وانعدام الثديين، عرفت بعض الأمور وكنت أفضل ألا أعرفها، كالحال عندما يتصنت المرء على النوافذ أو عندما يفتح رسائل الآخرين. أتحسب نفسك راغباً في قراءة الأفكار والخواطر؟ فكر جيداً.

هنا في الأسفل يصل الناس ومعهم أكياس، كتلك الأكياس التي تنتفخ بالهواء، لكن كل كيس هنا ممتلئ بالكلمات، كلمات قلتها وكلمات سمعتها وكلمات قالها الغير عنك. بعض الأكياس صغيرة للغاية، وبعضها كبيرة، أما كيسي فكان معتدل الحجم، وإن كانت كلمات كثيرة فيه تخص زوجي الشهير. حولني إلى حمقاء على حد قول البعض. كان هذا تخصصه: أن يحوّل الناس إلى حمقى. وكان يُفلت بلا عقاب من كل ما يصنعه، وهو من تخصصاته الأخرى: الإفلات.

كان دائماً مقنعاً. الكثيرون يرون أن روايته للأحداث هي الرواية الصحيحة، زائد أو ناقص بعض عمليات القتل، أو بعض النساء المغريات، أو بعض الوحوش أصحاب العين الواحدة. حتى أنا كنت أصدقه، من الحين للآخر. كنت أعرف أنه مخادع وكذّاب، لكن لم أتصور أنه سيمارس خدعه ويجرب كذبه عليّ أنا. ألم أكن مخلصة؟ ألم أنتظر وأنتظر وأنتظر رغم الإغراءات – التي بلغت حد الإلزام – للكف عن الانتظار؟ ثم ماذا أصبحت بعد أن كسبت الرواية الرسمية المصداقية؟ أسطورة من التهذيب. عصا تستخدم لضرب النساء الأخريات. لم لا يكنّ مهذبات ومحل ثقة ويتقبلن المعاناة بصدر رحب مثلي؟ هذه هي الفكرة التي أًلصقت بهن، المغنيات وغازلات الخيوط. لكم أود أن أصرخ في أذنك: لا تحذين حذوي.. نعم، أذنك أنت! لكن عندما أحاول الصراخ يخرج صوتي كنعيق البومة.

بالطبع كنت أشعر بسقطاته ودهائه ومكره.. كنت أشعر بـ.. ما هي الكلمة المناسبة؟ نعم.. انعدام تام للضمير، لكنني تظاهرت بالعمى. التزمت الصمت، أو وعندما أفتح بمي، أغني له المديح. لم أكن متناقضة، لم أسأل أسئلة مزعجة، ولم أحفر عميقاً ورائه. كنت أرغب في النهايات السعيدة في تلك الأيام، وأقصر طريق إلى النهايات السعيدة هي ترك الأبواب الموصدة كما هي، والنوم أثناء الشدائد.

لكن بعد أن انتهت الأحداث الرئيسية وأصبحت الأمور أقل "أسطورية"، أدركت كم ضحك عليّ الناس من وراء ظهري، كم راحوا يتضاحكون ويتمازحون عنّي، يطلقون النكات البريئة والقذرة، وكيف حولوني إلى قصة، إلى عدة قصص، ليست من النوع الذي أحب أن أسمعه عن نفسي. ماذا بوسع المرأة في مواجهة النميمة الفضائحية التي تدور في أرجاء العالم؟ إذا دافعت عن نفسها سيبدو عليها الذنب. وهكذا رحت أنتظر وأنتظر.

والآن، بعد أن هدأ الناس وفترت حماستهم، حان دوري كي أروي حكاية. أنا مدينة بهذا لنفسي. ولقد هيأت نفسي لها.. حكي الحكايات فن بسيط، تحبه العجائز والمتسولون والمغنون الأعمياء والخادمات والأطفال.. كل من ينبسط أمامه الزمن والفراغ. ذات مرة، كان الناس ليضحكون لو حاولت لعب دور الحكاءة الشاعرة، فليس هناك ما هو أكثر زيفاً من ارستقراطية تعبث بالفنون، لكن من يعبأ بالرأي العام الآن؟ أو رأي الناس هنا في الأسفل، رأي الأطياف، الأصداء. سأبدأ إذن أغزل لنفسي خيطاً.

المشكلة أن لا فم لي أروي من خلاله وأتكلم. لا يمكن أن يفهمني أحد، ليس في عالمكم، عالم الأجساد والألسنة والأصابع، وليس لي مستمعين أغلب الوقت، ليس على جانبكم من النهر. من تمكن منكم من سماع الهمسات القليلة، أو صرخة مكتومة بين الفينة والأخرى، سيظن كلماتي نسمات الهواء تمر على العشب الجاف، أو خفقات أجنحة الوطاويط ساعة الغروب، أو كوابيس.

لكن لطالما كنت ذات عزم قوي. صبورة، كما كانوا يقولون عني. أحب إذا بدأت أمراً أن أتمّه إلى النهاية.



2
الكورس
أنشودة نطّ الحبل

نحن الخادمات
من قتلتهنّ
ومن خذلتهنّ

رقصنا في الهواء
ارتعشت أقدامنا العارية
ولم نرَ أن هذا حسن

مع كل ربّة وملكة وكلبة
من هناك إلى هنا
نمت وانتشيت

فعلنا الأقل بكثير
مما فعلت أنت
وحكمت علينا ظلماً

لك أنت الرمح
لك أنت الكلمة
تحت طوعك

مسحنا دماء عشاقنا
المقتولين
من على الأرض ومن فوق المقاعد

من درجات السلم، من الأبواب
سجدنا في الماء
وأنت تنظر إلينا

تنظر إلى أقدامنا الحافية
لم يكن هذا حسن
أن تتغذى على خوفنا

انتشيت
ورفعت يدك فأمرت
ونظرت إلينا في سقوطنا

رقصنا في الهواء
نحن من خذلتهن
من قتلتهن