Tuesday, February 14, 2012

مقطع من رواية يترجمها العبد لله، الراجي عفوه ورضاه.. مش هاقول اسمها.. تشويق وإثارة

1
فن بسيط

ها أنذا قد مُتّ فأصبحت أعرف كل شيء. تمنيت أن تكون هذه المقولة صحيحة، لكن مثل الكثير من الأماني، لم تتحقق. لا أعرف إلا حقائق جزئية قليلة لم أكن أعرفها من قبل. وغني عن القول أن الموت ثمن باهظ للغاية من أجل إشباع الفضول.

منذ أصبحت ميتة.. منذ أصبحت على هذه الحالة من انعدام العظام وانعدام الشفتين وانعدام الثديين، عرفت بعض الأمور وكنت أفضل ألا أعرفها، كالحال عندما يتصنت المرء على النوافذ أو عندما يفتح رسائل الآخرين. أتحسب نفسك راغباً في قراءة الأفكار والخواطر؟ فكر جيداً.

هنا في الأسفل يصل الناس ومعهم أكياس، كتلك الأكياس التي تنتفخ بالهواء، لكن كل كيس هنا ممتلئ بالكلمات، كلمات قلتها وكلمات سمعتها وكلمات قالها الغير عنك. بعض الأكياس صغيرة للغاية، وبعضها كبيرة، أما كيسي فكان معتدل الحجم، وإن كانت كلمات كثيرة فيه تخص زوجي الشهير. حولني إلى حمقاء على حد قول البعض. كان هذا تخصصه: أن يحوّل الناس إلى حمقى. وكان يُفلت بلا عقاب من كل ما يصنعه، وهو من تخصصاته الأخرى: الإفلات.

كان دائماً مقنعاً. الكثيرون يرون أن روايته للأحداث هي الرواية الصحيحة، زائد أو ناقص بعض عمليات القتل، أو بعض النساء المغريات، أو بعض الوحوش أصحاب العين الواحدة. حتى أنا كنت أصدقه، من الحين للآخر. كنت أعرف أنه مخادع وكذّاب، لكن لم أتصور أنه سيمارس خدعه ويجرب كذبه عليّ أنا. ألم أكن مخلصة؟ ألم أنتظر وأنتظر وأنتظر رغم الإغراءات – التي بلغت حد الإلزام – للكف عن الانتظار؟ ثم ماذا أصبحت بعد أن كسبت الرواية الرسمية المصداقية؟ أسطورة من التهذيب. عصا تستخدم لضرب النساء الأخريات. لم لا يكنّ مهذبات ومحل ثقة ويتقبلن المعاناة بصدر رحب مثلي؟ هذه هي الفكرة التي أًلصقت بهن، المغنيات وغازلات الخيوط. لكم أود أن أصرخ في أذنك: لا تحذين حذوي.. نعم، أذنك أنت! لكن عندما أحاول الصراخ يخرج صوتي كنعيق البومة.

بالطبع كنت أشعر بسقطاته ودهائه ومكره.. كنت أشعر بـ.. ما هي الكلمة المناسبة؟ نعم.. انعدام تام للضمير، لكنني تظاهرت بالعمى. التزمت الصمت، أو وعندما أفتح بمي، أغني له المديح. لم أكن متناقضة، لم أسأل أسئلة مزعجة، ولم أحفر عميقاً ورائه. كنت أرغب في النهايات السعيدة في تلك الأيام، وأقصر طريق إلى النهايات السعيدة هي ترك الأبواب الموصدة كما هي، والنوم أثناء الشدائد.

لكن بعد أن انتهت الأحداث الرئيسية وأصبحت الأمور أقل "أسطورية"، أدركت كم ضحك عليّ الناس من وراء ظهري، كم راحوا يتضاحكون ويتمازحون عنّي، يطلقون النكات البريئة والقذرة، وكيف حولوني إلى قصة، إلى عدة قصص، ليست من النوع الذي أحب أن أسمعه عن نفسي. ماذا بوسع المرأة في مواجهة النميمة الفضائحية التي تدور في أرجاء العالم؟ إذا دافعت عن نفسها سيبدو عليها الذنب. وهكذا رحت أنتظر وأنتظر.

والآن، بعد أن هدأ الناس وفترت حماستهم، حان دوري كي أروي حكاية. أنا مدينة بهذا لنفسي. ولقد هيأت نفسي لها.. حكي الحكايات فن بسيط، تحبه العجائز والمتسولون والمغنون الأعمياء والخادمات والأطفال.. كل من ينبسط أمامه الزمن والفراغ. ذات مرة، كان الناس ليضحكون لو حاولت لعب دور الحكاءة الشاعرة، فليس هناك ما هو أكثر زيفاً من ارستقراطية تعبث بالفنون، لكن من يعبأ بالرأي العام الآن؟ أو رأي الناس هنا في الأسفل، رأي الأطياف، الأصداء. سأبدأ إذن أغزل لنفسي خيطاً.

المشكلة أن لا فم لي أروي من خلاله وأتكلم. لا يمكن أن يفهمني أحد، ليس في عالمكم، عالم الأجساد والألسنة والأصابع، وليس لي مستمعين أغلب الوقت، ليس على جانبكم من النهر. من تمكن منكم من سماع الهمسات القليلة، أو صرخة مكتومة بين الفينة والأخرى، سيظن كلماتي نسمات الهواء تمر على العشب الجاف، أو خفقات أجنحة الوطاويط ساعة الغروب، أو كوابيس.

لكن لطالما كنت ذات عزم قوي. صبورة، كما كانوا يقولون عني. أحب إذا بدأت أمراً أن أتمّه إلى النهاية.



2
الكورس
أنشودة نطّ الحبل

نحن الخادمات
من قتلتهنّ
ومن خذلتهنّ

رقصنا في الهواء
ارتعشت أقدامنا العارية
ولم نرَ أن هذا حسن

مع كل ربّة وملكة وكلبة
من هناك إلى هنا
نمت وانتشيت

فعلنا الأقل بكثير
مما فعلت أنت
وحكمت علينا ظلماً

لك أنت الرمح
لك أنت الكلمة
تحت طوعك

مسحنا دماء عشاقنا
المقتولين
من على الأرض ومن فوق المقاعد

من درجات السلم، من الأبواب
سجدنا في الماء
وأنت تنظر إلينا

تنظر إلى أقدامنا الحافية
لم يكن هذا حسن
أن تتغذى على خوفنا

انتشيت
ورفعت يدك فأمرت
ونظرت إلينا في سقوطنا

رقصنا في الهواء
نحن من خذلتهن
من قتلتهن

No comments: