نُشر هذا المقال المترجم في مجلة "الثقافة الجديدة" عدد فبراير 2011 - ترجمة العبد لله
أوليفييه روا – أستاذ علم الاجتماع والنظرية السياسية في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا، وعمل مستشاراً لوزارة الخارجية الفرنسية. من كتبه "جينولوجيا الإسلام"، "سقوط الإسلام السياسي"، "الإسلام المعولم: البحث عن أمة جديدة"، "العلمانية في مواجهة الإسلام".
يظهر من التحركات الجماهيرية في مصر وتونس أن الإسلام أصبح أضعف سياسياً، حتى مع تزايد هيمنته المجتمعية.
في أوروبا والاضطرابات الشعبية في أمريكا الشمالية وفي الشرق الأوسط، تم تفسير كل الحركات الاحتجاجية بالاستعانة بنموذج تحليل يبلغ من العمر أكثر من ثلاثين عاماً، وهو نموذج الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979. توقع المعلقون رؤية جماعات إسلامية – سواء الإخوان المسلمين أو غيرهم من الحركات المصرية الإسلامية الأخرى – إما على رأس الحركة أو قابعين في انتظار اختطاف السلطة.
لكن تحركات الإخوان المسلمين أدهشتهم وأثارت حيرتهم: أين ذهب الإسلاميون؟
لنلق نظرة على من شاركوا في الاحتجاجات، سيتضح منها أننا نتعامل مع جيل "ما بعد الأسلمة". بالنسبة إليهم، فإن الحركات الثورية الكبرى للسبعينيات والثمانينيات أصبحت تاريخاً قديماً، يخص جيل الآباء. أعضاء هذا الجيل الشاب الفتي ليسوا مهتمين بالأيديولوجيات: شعاراتهم براجماتية وملموسة "ارحل!" على النقيض من سابقيهم في الجزائر في الثمانينيات، لا يبدو أنهم مهتمون بالإسلام تحديداً، بل بشكل عام يرفضون المستبدين الفاسدين ويدعون إلى الديمقراطية. ولا أعني بهذا الكلام أن المتظاهرين علمانيين، لكنهم يتحركون في فضاء سياسي علماني، ولا يرون في الإسلام أيديولوجية قادرة على بناء عالم أفضل.
التحليل نفسه ينسحب على الأيديولوجيات الأخرى: إنهم قوميون (انظروا إلى الأعلام المرفرفة). كلا، إنهم لا يدافعون تحديداً عن القومية كفكرة. ومن المدهش أيضاً التخلي على نطاق واسع عن نظريات المؤامرة. فالولايات المتحدة وإسرائيل – أو فرنسا في حالة تونس – لم تعد هي السبب في كل البؤس والشقاء في العالم العربي. شعارات القومية العربية تكاد تكون غائبة بدورها، حتى رغم أن ما شجع المصريون واليمنيون على النزول للشوارع هو أحداث تونس، ويظهر من هذا فكرة أن "العالم العربي" ما زال حقيقة سياسية.
هذا الجيل تعددي، لا شك أنه تعددي لأنه فردي أيضاً. الدراسات السوسيولوجية أظهرت أن تعليم هذا الجيل أفضل من الأجيال السابقة، معرفته أوسع، ولديه سبل حديثة للتواصل تسمح للأفراد بالاتصال ببعضهم دون وساطة الأحزاب السياسية بينهم – وهي محظورة على أرض الواقع على كل حال.
هؤلاء الشبان يعرفون أن النظم الإسلامية تتحول لتتخذ الطابع الديكتاتوري، فلا إيران أو السعودية تلهمهم على الإطلاق. وبالطبع فإن من نزلوا المظاهرات في مصر هم من نفس نوع الأشخاص الذين تدفقوا على الشوارع لمعارضة أحمدي نجاد في عام 2009.
(لأسباب دعائية أعلن النظام في طهران تأييده لحركة المعارضة في مصر، رغم أن إعلانه هذا لا يزيد كثيراً عن كونه تصفية حسابات مع حسني مبارك). الكثيرون من هؤلاء الشباب يؤمنون بالدين، لكن دينهم منفصل عن مطالبهم السياسية. من هذا المنظور، فإن الحركة "علمانية". وتبين بالملاحظة أثناء الأحداث أن إقامة الشعائر الدينية كانت فردية بالأساس بعيدة عن الطابع الجمعي.
وفوق كل شيء، تظاهر هؤلاء الناس من أجل الكرامة و"الاحترام". القيم التي يطالبون بها هي قيم عالمية. لكن "الديمقراطية" المطلوبة ليست أجنبية عنهم، وهنا يكمن الاختلاف عن محاولات إدارة بوش للترويج للديمقراطية في العراق في عام 2003. لم يجد ما عمله، لأنه كانت تعوزه المشروعية السياسية وصاحبه الغزو العسكري. المحير اليوم، أن تضاؤل تأثير الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومع براجماتية إدارة أوباما، صاحبه مطالبات وطنية، مشروعة تماماً، بالديمقراطية.
على ما قيل، فإن هذا الحراك ليس ثورة. الحركة الشعبية القائمة ليس لها قيادات، ولا هيكل واضح أو أحزاب سياسية مشاركة فيها، وهو ما يزيد من صعوبة ضخ الديمقراطية إلى هذه النظم الديكتاتورية السابقة. من غير المرجح أن يؤدي انهيار النظم القديمة بشكل تلقائي إلى تأسيس نظم ديمقراطية ليبرالية محلها، كما كانت تأمل واشنطن فيما يخص العراق.
ماذا عن الإسلاميين الذين يرون في الإسلام أيديولوجية سياسية قادرة على حل مشكلات المجتمع؟ لم يختفوا، لكنهم تغيروا. الأكثر تطرفاً بينهم خرج في حملات الجهاد الدولية العابرة للحدود، إنهم في الصحراء مع القاعدة في المغرب الإسلامي، وفي باكستان أو في ضواحي لندن. لا توجد قاعدة اجتماعية أو سياسية لهم في المنطقة.
والمعروف أن حركة الجهاد العالمية منفصلة تماماً عن الحركات الاجتماعية وحركات النضال الوطني. القاعدة تحاول أن تقدم نفسها بصورة حارس "الأمة" الإسلامية العالمية، في معركتها ضد المضطهدين من بلاد الغرب، لكن بلا نجاح يُذكر. تجند القاعدة الجهاديين المتطرفين الشبان الذين قطعوا أنفسهم بالكامل عن أسرهم ومجتمعاتهم. لكنها تبقى عالقة في منطقها المحير ولم تحاول بناء هياكل سياسية واضحة داخل المجتمعات الإسلامية.
ولأن القاعدة تميل لتركيز نشاطها على الغرب أو على أهداف غربية في أماكن أخرى من العالم، فإن أثرها الحقيقي يكاد يكون "لا شيء".
من الخطأ إذن محاولة ربط "إعادة الأسلمة" التي ظهرت في العالم العربي على مدار الثلاثين عاماً الأخير بحركات سياسية راديكالية قائمة في الفترة الراهنة.
إذا كانت المجتمعات العربية أكثر إسلاماً عن حالها قبل 30 إلى 40 عاماً، فما تفسير غياب الشعارات الإسلامية عن المظاهرات القائمة؟
حل لغز "الأسلمة" هو ببساطة أن الأسلمة نزعت الطابع السياسي عن الإسلام إلى حد بعيد.
كيف: إعادة الأسلمة الاجتماعية والثقافية – ارتداء الحجاب والنقاب وتزايد عدد المساجد واختراق الدعاة للمجتمعات وزيادة القنوات التلفزيونية الإسلامية – تم دون تدخل ميليشيات الإسلام السياسي وأدى في واقع الأمر إلى فتح "سوق الدين" على آخرها، وهي سوق لا يحتكرها أحد. باختصار، فقد الإسلاميون معقلهم الحصين المتمثل في التعبير الديني عن الرأي الذي كانوا يتمتعون به في دوائر الجماهير في الثمانينيات.
أما النظم الديكتاتورية في العالم العربي، وقد تكون تونس مستثناة، فلطالما فضلت الإسلام المحافظ، الذي تتوجه إليه الأعين بقلق، لكنه في الوقت نفسه ليس سياسياً بشكل خاص، ويحيط به هوس شديد بالتحكم في الأخلاق في الأماكن العامة. (ارتداء الحجاب على سبيل المثال أصبح ظاهرة شائعة للغاية). امتزج هذا التوجه مع حراك "السلفيين"، الذين ينصب تركيزهم على أسلمة الأفراد دون تنمية حركات اجتماعية. ما تصوره الغرب بالخطأ هو موجة خضراء هائلة من الإسلاميين.. وهذا في واقع الأمر تسطيح للحراك الإسلامي القائم: كل شيء أصبح إسلامياً، من مطاعم الفاست فود إلى أزياء النساء. لكن أشكال وأنماط الأسلمة اقتصرت على الأفراد، وتتمثل في سعي المرء للحفاظ على دينه، ساعياً للاستماع للداعية الذي سيحدثه عن الصراط المستقيم، مثل الداعية المصري عمرو خالد، مع التخلي عن كل اهتمام بالمدينة الفاضلة الإسلامية "اليوتوبيا الإسلامية" بكيانها السياسي. كذلك، فإن التيارات الدينية الأخرى التي كانت تُرى إلى الآن على أنها في منحنى هابط، مثل الصوفية، بدأت تصعد من جديد.
كما أنه من الخطأ الاعتقاد بأن النظم الديكتاتورية تدافع عن العلمانية ضد التطرف الديني. باستثناء تونس، فإن النظم الشمولية في العالم العربي لم تجعل مجتمعاتها علمانية، بل على النقيض، فقد سعت لاحتضان أشكال جديدة من الأصولية الرامية للأسلمة، يُطالب فيها بفرض الشريعة دون أي مناقشات لطبيعة السلطة السياسية. في كل مكان، تجد المؤسسات الإسلامية الرسمية، بناء على تفسير محافظ للدين، متواطئة مع الدولة. أصبح هذا التحالف فعالاً لدرجة أن رجال الدين التقليديين الذين تعلموا في الأزهر لم يعد لديهم ما يقولونه إطلاقاً عن القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
لا شيء لديهم يقدمونه لجيل الشباب الباحث عن ممارسة دينه الذي يؤمن به في عالم مفتوح حُر.
هذه التطورات أثرت أيضاً على حركات الإسلام السياسي، كما يظهر من تغير وجه الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس. الإخوان المسلمون تغيروا أثناء التفاعل مع الأحداث. وتعلم جيل جديد من أصحاب الميليشيات الدروس من التاريخ، مثل العجوز راشد الغنوشي، مؤسس النهضة.
فهموا أن السعي للاستيلاء على السلطة في أعقاب الثورة سيؤدي إما لحرب أهلية أو إلى نظام ديكتاتوري. وفي معرض كفاحهم ضد القمع، تواصلوا مع قوى سياسية ومعادلات سياسية أخرى. مع معرفتهم بمجتمعاتهم جيداً، فهم يعرفون أن الأيديولوجية لا وزن لها في أوساط الجماهير. كما تعلموا الدروس من تركيا، حيث نجح أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الجمع بين الديمقراطية والنجاح الانتخابي والتنمية الاقتصادية والاستقلال الوطني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إعلاء قيم، وإن لم تكن إسلامية فهي "أصيلة" على الأقل.
قبل كل شيء، لم يعد الإخوان المسلمون يدافعون عن نموذج اقتصادي واجتماعي بديل. الإخوان أصبحوا محافظين فيما يخص الأخلاق، وليبراليين فيما يخص الاقتصاد. هذه بلا شك هي الطفرة الأهم للجماعة، لأنه في الثمانينيات زعم الإسلاميون الدفاع عن مصالح الطبقات المضطهدة وطالبوا بملكية الدولة للاقتصاد وإعادة توزيع الثروة. في الوقت الحالي، يصدق الإخوان المسلمون في مصر على إصلاحات مبارك الزراعية، التي أعادت لملاك الأراضي الحق في رفع الأسعار وإخلاء المستأجرين من أراضيهم. هذا التحول كان كاملاً لدرجة أن الإسلاميين أصبحوا حالياً غائبين تماماً عن الحركات الاجتماعية الناشطة في الدلتا، حيث ظهر الارتداد إلى "اليسار"، لا سيما ما يدخل في مجال العمل النقابي.
إلا أن تبني الإسلاميين للبرجوازية هو في الوقت نفسه من الروافد المفيدة للديمقراطية، لأن هذا يدفع بهم نحو التوافق والرضا بالحلول الوسط، إلى تحالفات مع قوى سياسية أخرى. لم يعد مثار التساؤلات إذن إثبات أو نفي أن النظم الديكتاتورية هي الحاجز الفعال الذي يحول دون وصول الإسلاميين. الإسلاميون أصبحوا لاعبون في لعبة ديمقراطية عادلة. بطبيعة الحال إذن، سوف يحاولون السيطرة على الأخلاق في الأماكن العامة، لكن مع انعدام نظام قمعي مثل القائم في إيران أو شرطة دينية كالنموذج السعودي، فسوف يُواجهون بقوة بالمطالبة بالحرية التي لا تتوقف عند نقطة الحق في انتخاب برلمان!
باختصار، فإن الإسلاميين إما سينضمون إلى صفوف المحافظين السلفيين مع التخلي عن أي تظاهر بأنهم يؤمنون بالوسطية، وإلا فسوف يسعون ويجتهدون لإعادة التفكير في فهمهم للعلاقة بين الدين والسياسة.
في مصر، سوف يلعب الإخوان المسلمون دوراً محورياً في التغيرات القادمة طالما ظل الحراك الثوري غير سياسي بالأساس. في اللحظة الراهنة، ما زالت أمامنا سياسة الاحتجاجات، ولسنا بعد على أعتاب نظام من نوع جديد، وليست هذه هي لحظة الفجر المنتظر. كما أن المجتمعات العربية ما زالت محافظة إلى حد ما. الطبقات الوسطى التي تطورت وظهرت إثر فترة التحرر الاقتصادي تريد الاستقرار السياسي. وهي تحتج قبل كل شيء على الطبيعة المفترسة المتوحشة للنظم الديكتاتورية.
الحركات الديمقراطية في شتى أنحاء المنطقة تتجه إذن لمواجهة شبكة متجذرة من أصحاب المصالح.
هل تقدر المطالبة بالديمقراطية على التغلب على الترتيبات المعقدة للتحالفات بين مختلف الفصائل وأصحاب المصالح والنخب السياسية؟ وإلى أي مدى ستقدر النظم على استغلال التحالفات القديمة – مع البدو في الأردن مثلاً، ومع القبائل في اليمن على سبيل المثال؟
وعلى الجانب الآخر، هل يمكن لمثل هذه الجماعات أن تصبح أطرافاً فاعلة في حركة التغيير الديمقراطي؟ وكيف سيتكيف الدين مع الوضع الجديد؟
لا شك أن عملية التغيير ستكون طويلة وفوضوية، لكنها أكيدة لا بديل عنها: عصر استثناء العالم العربي/الإسلامي من حركة التاريخ انتهى. الأحداث الأخيرة تشير إلى وجود تغيرات عميقة في المجتمعات العربية وأنها قائمة منذ زمن طويل، لكن لم يرها أحد بسبب العدسة المشوهة التي يرى الغرب من خلالها الشرق الأوسط. ما يظهر من أحداث مصر وتونس هو أن الشعوب في تلك البلدان استعانت بالمدد من دروس تاريخها. لم ننته من الإسلام بعد بالتأكيد، كما أن "الليبرالية الديمقراطية" ليست نهاية التاريخ، لكننا على الأقل علينا أن نفكر في الإسلام في علاقته بالثقافة "العربية الإسلامية" التي لم تعد مغلقة على نفسها – ولعلها لم تكن يوماً مغلقة على نفسها.
No comments:
Post a Comment