Sunday, August 5, 2012

ضحك طليق كالغزلان


الولد ابن الناس المستورين ركب العجلة وقرر يذهب إلى التحرير. طلع من بيتهم في كوبري الخشب، طلع سلم المشاة فوق شريط القطار والعجلة بين يديه، طلع ونزل، تسلل من بين البائعين والمشترين المرتعشين وخرج إلى موقف الميكروباص، ركب العجلة وانطلق في شارع التحرير في طريقه إلى ميدان التحرير. أمه كانت تشتكي من وقف الحال وقلة أدب الشباب، وأبوه صامت لا ينطق، خائف وحزين لا يُعزى، وهو يحب ركوب العجلة ساعة العصر. ارتدى مخصوص لهذه الرحلة الطويلة الكوتشي الأبيض والسويتر الأسود الذي يطير ورائه عندما يجري بالعجلة كالريح، ولم يقل لأخوته وأولاد الجيران الذين يلعب معهم أنه خارج بالعجلة وحده إلى ميدان التحرير.

مشاهد التلفزيون من يوم موقعة الجمل ذكرته بفيلم الأرض.. الأرض لو عطشانة نرويها بدمانا.. وذكرته بأفلام سبايدرمان وباتمان وهاري بوتر، أصبح يعرف أن الناس في التحرير طيبين وأن "البلطجية" أشرار، يرمون الطيبين بالنار والرصاص، رأى النار ولم ير الرصاص لكن لابد أن كان معهم رصاص، فالأشرار دائماً يطلقون الرصاص في الأفلام على الطيبين، لكن لم يفهم لماذا لم يرد الطيبون بالرصاص كما في الأفلام، ولا كيف هزموا الأشرار بدون ضرب وطيخ وطاخ وطش كما يفعل سبايدرمان.

الطريق إلى التحرير طويل، العرق – رغم الشتاء – ينهمر على حاجبيه ويتسلل إلى أنفه وفمه مذاقه ملح ساخن كالدموع. يخاف من نظرات الناس إليه عند ميدان الدقي، من عبور الميدان تحت الكوبري، هو ارتدى الكوتشي الأبيض مخصوص لأنه يشعر بالحرج من المشي بالشبشب خارج كوبري الخشب، عند الناس النضيفة، الناس عيونهم وكأنهم يعرفون أنه ذاهب إلى التحرير، وأمي لو عرفت هتموتني، لكن لا أحد منهم يعرفها، وهو متأكد أن لا أصدقاء ولا أقارب لهم يعيشون في شارع التحرير ليرونه من البلكونات.. أمه أخذته مرتين إلى السوبرماركت في الدقي وكان يرتدي الشبشب وكان يشعر بحرج بالغ وسط الناس النضيفة، كان لابد يا أمي أن أعرف أننا ذاهبون إلى هناك لأرتدي الكوتشي الأبيض، وأبوه منعه من النزول في "اللجنة الشعبية" "عشان الكلام ده مش للعيال، خليك مع أمك هنا وأخواتك" ونزل أبوه وعلى كتفه عصا مقشة ربطت له أمه في طرفها سكين المطبخ الكبير، فأصبحت حربة كتلك التي يصطاد بها البدائيون السمك. ولم يدعه أبوه يلمسها، وكان يخبئ "سلاحه" كلما عاد من الشارع قرب الفجر.. لكن الآن انتهى موضوع اللجنة الشعبية، وكف ضرب النار على سبيل التحية بين اللجان، وكف الجري على النواصي "حرامي هنا.. حرامي هناك"، وهو بعد مشهد الجمال والخيول في التلفزيون بكى كثيراً وأحس أن أبيه لن يحميه وأن الموت يأتي هكذا، سيموت كل الناس سيموت كل الناس.

يعرف أن بينه وبين التحرير الآن كوبري على النيل ثم كوبري آخر على النيل، يرى من بعيد طيارة ورق عليها ألوان علم مصر.. في الصباح التالي على المعركة صحى من النوم ليجد أمه أمام التلفزيون منكوشة الشعر تتفرج، ومشهد رمادي كالحلم، فيه الطيبين والأشرار ما زالوا على حالهم، والطيبون تمترسوا وراء جدران من صفيح وحديد وخشب، فرح، ارتاح، لن يموت الناس، لن يموت الناس.. بعد الكوبري الأول اقتربت منه الطيارة الورق، سمع هتافاً من بعيد، وناس من حوله في طريقهم إلى التحرير، عائلات، آباء وأمهات ومعهم أطفال، لكن أمه لو عرفت هتموته، لا يهم فهو هنا الآن. دخل الميدان، لم يكن خائفاً من كلام التلفزيون عن هؤلاء، من بعد معركة فيلم الأرض لم يعد خائفاً من هؤلاء، فهم طيبون، لن يؤذيه أحد.. هنا وهناك شباب ممصوص الخدود، على رؤوسهم شاش وقطن، منهم من ينام على الأرض، وعلب كشري فارغة كثيرة مصفوفة، مكتوب بها كلمة "أرحل" على الأسفلت، وشباب وبنات "من الكبار زي اللي في الكلية" بلون النور والبدر، يرفع عينيه إليهم، في الزحام الشديد ومعه العجلة، يمشي ببطء، الأكف تربت عليه برفق، لا أحد يتكلم، الكل مبتسم، الأكف تربت على كتفه برفق، تداعب رأسه، عرقه بدأ يجف من الهواء البارد بعد أن استراح، مال على الرصيف وجلس، خلع السويتر الأسود وكان تحته التي شرت الأحمر الذي يلبسه في البيت، مقطوع من تحت الياقة، لم يخجل، خلع الكوتشي ومسكه في يده وقرر أن يمشي حافياً فالأسفلت جميل.. يسمع هتافات تدوي كالرعد.. اررررحل.. اررررحل. والناس جميلة كالملائكة والجنة، والأسفلت المرسوم عليه بالطباشير، الأسفلت حشائش خضراء وأشجار عالية وأنهار من الماء الرقراق، ومظاهرة تمر أمامه، فيها أولاد وبنات في سنه، وكانوا يهتفون: مش هنمشي، هو يمشي، مش هنمشي، هو يمشي. الناس تساعد بعضها، تمتد أيادي الكبار فوقه إلى بعضهم، هذا الرجل يأخذ بيد هذه السيدة لتتجاوز سور الجنينة العالي، هذا العجوز يأخذ بيد ذلك الشاب الملفوف رأسه بالشاش ليعبر فوق غطاء البلاعة ويعطيه ساندوتش فينو، هو أيضاً امتدت إليه يد بساندوتش فينو لكنه قال: شكراً أنا مش جعان فألحت عليه اليد ذات السندوتش فأخذ السندوتش مكسوفاً ووضعه في جيب البنطلون وهو يشعر بالذنب. ورأى أولاداً مثل عيال بياعين الفاكهة في شارعهم، أحدهم يرتدي عمّة، إحدى عينيه مربوطة بالشاش والبلاستر، يرقص وسط حلقة من الناس على ضربات طبلة، أغنية لا يعرفها تذكره بالفلاحين، والولد رقصه جميل، يحجل على هذه القدم وتلك مبتسماً ورجال فوق سور المترو العالي في أيديهم طبول ودُف يغنون: حسني اتجنن، حسني اتجنن، ويؤدون بأيديهم حركة كالمروحة لصق الرأس إشارة إلى الجنون، حركة منتظمة جميلة دفعته للضحك بصوت عالي سعيد، ضحك طليق كالغزلان، وناس يرفعون نعشاً وينشدون: الجنازة حرة والميت كلب، الجنازة حرة والميت كلب، والأرض غابة خضراء والسماء شجر ونخيل عالي والميدان لم يعد رمادياً، الميدان ألوان زيت وألوان ماء وجنة مرسومة لوحات أجمل أجمل بكثير من أفلام سبايدرمان، وكان يعرف أن الله في السماء تقوّس على هيئة قبة كبيرة، تمتد من مجمع التحرير إلى ذلك التمثال هناك عند كوبري أكتوبر، وكان الله يقول بحناجر الشباب العنيد: الشعب.. يريد.. إسقاط.. النظام.

Thursday, May 10, 2012

حوار في رواية مُترجمة، ما زالت قيد الترجمة - عن إزاي البلاد بتتباع بالحتّة

قال جيتاناس: "طلبنا من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المساعدة. بما أنهم شجعونا على الخصخصة، ربما يهمهم أن دولتنا المخصخصة أصبحت منطقة من الأناركية، وأمراء الحرب المجرمين، ومزارع لا توفر الكفاف. للأسف ينظر صندوق النقد الدولي في شكاوى الدول العميلة لديه المفلسة من واقع إجمالي الدخل القومي للدولة. ليتوانيا كانت تحتل المرتبة السادسة والعشرين يوم الاثنين الماضي، في القائمة. الآن نحن في المرتبة الثامنة والعشرين. باراجواي سبقتنا. دائماً ما تسبقنا باراجواي".
قال شيب: "أخ".
"باراجواي لسبب ما هي سبب شقائي".
قالت إدين: "قلت لك يا جيتاناس إن شيب مدهش. لكن اسمع..."
"صندوق النقد الدولي يقول إنه يتوقع أن تمر فترة ست وثلاثون شهراً قبل أن تبدأ خطة إنقاذنا!"
جلست إدين بعنف على مقعدها: "هل يمكن أن ننهي المناقشة سريعاً؟"
أظهر جيتاناس لشيب ورقة من حقيبته. "أترى؟ هذه ورقة من الإنترنت، وثيقة من وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب الشؤون الأوروبية والكندية.. مكتوب هنا: الاقتصاد الليتواني مصاب بكساد ضخم، البطالة تبلغ عشرين في المائة تقريباً، الكهرباء والمياه تنقطع في فيلنيوس، وهي نادرة في الأماكن الأخرى. من هو المستثمر الذي سيضخ أموالاً في بلد كهذا؟"
قال شيب: "رجل أعمال ليتواني؟"
"نعم، اضحكتني".. نظر إليه جيتاناس نظرة تقدير.. "لكن ماذا لو كنا بحاجة لشيء مختلف على صفحة الإنترنت هذه والصفحات الشبيهة بها؟ ماذا لو حذفنا المكتوب هنا ووضعنا مكانه، بلغة إنجليزية أمريكية سليمة، أن بلدنا هرب من الوباء المالي الروسي؟ كأن نقول مثلاً إن معدل التضخم الليتواني يبلغ حالياً ستة في المائة، وأن نصيب الفرد الليتواني من احتياطي الدولار يعادل نصيب الألماني، وأن فائض التجارة يقارب المائة مليون دولار، بسبب استمرار الطلب القوي على الموارد الطبيعية الليتوانية!".
قالت إدين: "شيب، ستكون ممتازاً في هذا الدور".
قرر شيب في هدوء وثبات ألا ينظر إلى إدين أو يقول لها كلمة واحدة طالما هو حي.
سأل جيتاناس: "ما هي الموارد الطبيعية الليتوانية؟"
قال جيتاناس: "الرمال والحصى بالأساس".
"احتياطيات مهولة من الرمال والحصى. حسن".
قال جيتاناس وهو يغلق الحقيبة: "الرمال والحصى بوفرة. لكن، ها هو اختبار صغير لك: لماذا هذا الطلب غير المسبوق على هذه الموارد العجيبة؟"
"ازدهار مفاجئ في الإنشاءات في لاتفيا وفنلندا القريبتين؟ في لاتفيا الفقيرة في الرمال؟ في فنلندا التي يغيب عنها الحصى؟"
"وكيف أفلتت هاتان الدولتان من الانهيار الاقتصادي العالمي؟"
"لاتفيا عندها مؤسسات ديمقراطية قوية مستقرة. وهي عصب مالي قوي لدول البلطيق. فنلندا تضع قيوداً مشددة على رأس المال الأجنبي قصير الأجل، ونجحت في إنقاذ صناعة الأثاث الفنلندية ذائعة الصيت على مستوى العالم".
أومأ الليتواني برأسه، والسرور ظاهر على وجهه. ضربت إدين مكتبها بقبضتيها وقالت: "يا ربي يا جيتاناس، شيب عبقري! إنه يستحق مكافأة إضافية عند توقيع العقد، وإسكان درجة أولى في فيلنيوس وبدل وجبات بالدولار".
قال شيب: "فيلنيوس؟"
قال جيتاناس: "نعم، نحن نبيع وطناً. نريد زبوناً أمريكياً راضياً عن الأداء داخل الوطن. كما أن العمل على الإنترنت من هناك أكثر أماناً بكثير".
ضحك شيب: "هل تتوقع فعلاً أن يرسل لك مستثمرون أمريكان النقود؟ على أي أساس؟ بسبب نقص الرمال في لاتفيا؟"
قال جيتاناس: "إنهم يرسلون النقود بالفعل على أساس مزحة صغيرة لعبتها عليهم. ولا حتى الرمل والحصى، بل مجرد مزحة صغيرة. عشرات الآلاف من الدولارات بالفعل. لكن أريد منهم إرسال الملايين".
قالت إدين: "جيتاناس يا عزيزي، هذه هي اللحظة المناسبة. لن تجد موقفاً أكثر ملائمة لتصعد سريعاً. في كل مرة يضاعف شيب لك أرباحك، لابد أن تعطيه علاوة إضافية. صح؟ صح؟"
"إذا رأيت زيادة بقدر مائة ضعف في الأرباح، ثقي بي، سوف يصبح شيب رجلاً ثرياً".
"لكنني أقول: لم لا نجعل هذا الاتفاق كتابياً؟"
نظر جيتاناس في عين شيب، وأعلمه في صمت برأيه في مضيفتهما: "إدين، في هذه الورقة، ماذا سنكتب على سبيل وظيفة شيب؟ استشاري تزوير تحويلات نقدية دولي؟ مساعد متآمر أول؟"
قال شيب: "نائب رئيس هيئة التحريف عمداً".
صرخت إدين في استمتاع: "مسمى رائع!"
قالت أبريل: "انظري يا ماما".
قال جيتاناس: "اتفاقنا شفهي بالأساس".
قالت إدين: "بالطبع، لا شيء غير قانوني بالمرة فيما تفعلونه".
أجاب جيتاناس سؤالها بأن نظر إلى النافذة طويلاً. كان يبدو بالجاكيت الأحمر الجلدي المضلع كسائق موتوسيكلات سباق. قال: "بالطبع لا".
قالت إدين: "إذن ليس هذا احتيالاً في التحويلات النقدية".
"لا لا، احتيال وتحويلات؟ لا".
"لا أريد أن أبدو خائفة أو أي شيء، لكن ما سمعته هو الأقرب للاحتيال من أجل الحصول على تحويلات نقدية.
قال جيتاناس: "أصول بلدي جمعاء اختفت في بلدكم بكل يسر وسرعة. هناك دولة قوية غنية وضعت القواعد التي يموت بها الليتوانيون. لماذا أحترم هذه القواعد؟"
قال شيب: "هذا سؤال جدير بأن يناقشه فوكو بالضرورة".
قالت إدين: "هو أيضاً سؤال جدير بروبن هود. وهو ما لا يطمئنني على الصعيد القانوني".
"أنا أعرض على شيب خمسمائة دولار أسبوعياً، ومكافآت إضافية بالشكل الذي أراه. شيب، هل أنت مهتم؟"
قال شيب: "يمكنني جني نقود أفضل هنا".
قالت إدين: "فلتكن ألف يومياً على الأقل".
"الدولار يشتري الكثير في فيلنيوس".
قالت إدين: "أنا واثقة من هذا، وهو يشتري أكثر بكثير على القمر أيضاً. ماذا هناك للشراء؟"
قال جيتاناس: "شيب، قل لإدين إن الدولارات قادرة على شراء الأوطان الفقيرة".
قال شيب: "أعتقد أنكم تأكلون وتشربون جيداً".
"دولة نشأ جيلها الشاب في حالة من الأناركية الأخلاقية، والجوع".
"ربما ليس صعباً أن تجد فتاة رائعة تليق بك، إن كان هذا ما تقصده".
قال جيتاناس: "إن لم يفطر هذا فؤادك، أن ترى فتاة عذبة صغيرة من الضواحي تنكب على ركبتيها لـ..."
قالت إدين: "أخ! يا جيتاناس، هناك طفلة في الحجرة".
قالت أبريل: "أنا في جزيرة. ماما، أنظري إلى جزيرتي".
قال جيتاناس: "أنا أتحدث عن الأطفال. في الخامسة عشرة من العمر. هل معك دولارات؟ قد يصل السن إلى ثلاثة عشرة أو اثنتي عشرة سنة".
قال شيب: "اثنتي عشرة سنة ليس من المغريات بالنسبة لي".
"تفضل تسعة عشرة؟ تسعة عشرة أرخص".
قالت إدين وهي تصفق بيديها: "هذا بصراحة، إمم".
"أريد أن يفهم شيب لماذا يعتبر الدولار نقوداً كثيرة. لماذا يعتبر عرضي الذي أقدمه له عرضاً جيداً".
قال شيب: "مشكلتي أنني سأسدد ديوناً أمريكية بهذه الدولارات".
"صدقني نحن نعرف هذه المشكلة جيداً في ليتوانيا".
قالت إدين: "شيب يريد راتباً أساسياً بمقدار ألف دولار يومياً، بالإضافة إلى حوافز بحسب الأداء".
قال جيتاناس: "ألف دولار أسبوعياً. حتى أثبت جدية مشروعي. مقابل العمل الإبداعي.. لطمأنة المتصلين".
قالت إدين: "واحد في المائة من إجمالي الربح. بالإضافة إلى راتبه، عشرون ألف دولار شهرياً".
أمسك جيتاناس وهو يتجاهلها بمظروف سميك أخرجه من الجاكيت، وبدأ يعد بأصابعه طويلة الأظافر أوراق بنكنوت، كل ورقة بمائة دولار. جلست أبريل القرفصاء على رقعة الورق البيضاء، محاطة بوحوش خرافيين من شخبطات بعدة ألوان. ألقى جيتاناس كومة المئات على مكتب إدين. قال: "ثلاثة آلاف، الأسابيع الثلاثة الأولى".
قالت إدين: "ويحصل أيضاً على تذاكر طيران درجة أولى بالطبع".
"نعم، لا بأس".
"وإقامة درجة أولى في فيلنيوس".
"هناك حجرة في الفيلا، بسيطة".
"وتحميه من أمراء الحرب المجرمين أيضاً؟"
قال جيتاناس بابتسامة متعبة خجولة: "ربما كنت أمير حرب مجرم، إلى حد ما".

Tuesday, February 14, 2012

مقطع من رواية يترجمها العبد لله، الراجي عفوه ورضاه.. مش هاقول اسمها.. تشويق وإثارة

1
فن بسيط

ها أنذا قد مُتّ فأصبحت أعرف كل شيء. تمنيت أن تكون هذه المقولة صحيحة، لكن مثل الكثير من الأماني، لم تتحقق. لا أعرف إلا حقائق جزئية قليلة لم أكن أعرفها من قبل. وغني عن القول أن الموت ثمن باهظ للغاية من أجل إشباع الفضول.

منذ أصبحت ميتة.. منذ أصبحت على هذه الحالة من انعدام العظام وانعدام الشفتين وانعدام الثديين، عرفت بعض الأمور وكنت أفضل ألا أعرفها، كالحال عندما يتصنت المرء على النوافذ أو عندما يفتح رسائل الآخرين. أتحسب نفسك راغباً في قراءة الأفكار والخواطر؟ فكر جيداً.

هنا في الأسفل يصل الناس ومعهم أكياس، كتلك الأكياس التي تنتفخ بالهواء، لكن كل كيس هنا ممتلئ بالكلمات، كلمات قلتها وكلمات سمعتها وكلمات قالها الغير عنك. بعض الأكياس صغيرة للغاية، وبعضها كبيرة، أما كيسي فكان معتدل الحجم، وإن كانت كلمات كثيرة فيه تخص زوجي الشهير. حولني إلى حمقاء على حد قول البعض. كان هذا تخصصه: أن يحوّل الناس إلى حمقى. وكان يُفلت بلا عقاب من كل ما يصنعه، وهو من تخصصاته الأخرى: الإفلات.

كان دائماً مقنعاً. الكثيرون يرون أن روايته للأحداث هي الرواية الصحيحة، زائد أو ناقص بعض عمليات القتل، أو بعض النساء المغريات، أو بعض الوحوش أصحاب العين الواحدة. حتى أنا كنت أصدقه، من الحين للآخر. كنت أعرف أنه مخادع وكذّاب، لكن لم أتصور أنه سيمارس خدعه ويجرب كذبه عليّ أنا. ألم أكن مخلصة؟ ألم أنتظر وأنتظر وأنتظر رغم الإغراءات – التي بلغت حد الإلزام – للكف عن الانتظار؟ ثم ماذا أصبحت بعد أن كسبت الرواية الرسمية المصداقية؟ أسطورة من التهذيب. عصا تستخدم لضرب النساء الأخريات. لم لا يكنّ مهذبات ومحل ثقة ويتقبلن المعاناة بصدر رحب مثلي؟ هذه هي الفكرة التي أًلصقت بهن، المغنيات وغازلات الخيوط. لكم أود أن أصرخ في أذنك: لا تحذين حذوي.. نعم، أذنك أنت! لكن عندما أحاول الصراخ يخرج صوتي كنعيق البومة.

بالطبع كنت أشعر بسقطاته ودهائه ومكره.. كنت أشعر بـ.. ما هي الكلمة المناسبة؟ نعم.. انعدام تام للضمير، لكنني تظاهرت بالعمى. التزمت الصمت، أو وعندما أفتح بمي، أغني له المديح. لم أكن متناقضة، لم أسأل أسئلة مزعجة، ولم أحفر عميقاً ورائه. كنت أرغب في النهايات السعيدة في تلك الأيام، وأقصر طريق إلى النهايات السعيدة هي ترك الأبواب الموصدة كما هي، والنوم أثناء الشدائد.

لكن بعد أن انتهت الأحداث الرئيسية وأصبحت الأمور أقل "أسطورية"، أدركت كم ضحك عليّ الناس من وراء ظهري، كم راحوا يتضاحكون ويتمازحون عنّي، يطلقون النكات البريئة والقذرة، وكيف حولوني إلى قصة، إلى عدة قصص، ليست من النوع الذي أحب أن أسمعه عن نفسي. ماذا بوسع المرأة في مواجهة النميمة الفضائحية التي تدور في أرجاء العالم؟ إذا دافعت عن نفسها سيبدو عليها الذنب. وهكذا رحت أنتظر وأنتظر.

والآن، بعد أن هدأ الناس وفترت حماستهم، حان دوري كي أروي حكاية. أنا مدينة بهذا لنفسي. ولقد هيأت نفسي لها.. حكي الحكايات فن بسيط، تحبه العجائز والمتسولون والمغنون الأعمياء والخادمات والأطفال.. كل من ينبسط أمامه الزمن والفراغ. ذات مرة، كان الناس ليضحكون لو حاولت لعب دور الحكاءة الشاعرة، فليس هناك ما هو أكثر زيفاً من ارستقراطية تعبث بالفنون، لكن من يعبأ بالرأي العام الآن؟ أو رأي الناس هنا في الأسفل، رأي الأطياف، الأصداء. سأبدأ إذن أغزل لنفسي خيطاً.

المشكلة أن لا فم لي أروي من خلاله وأتكلم. لا يمكن أن يفهمني أحد، ليس في عالمكم، عالم الأجساد والألسنة والأصابع، وليس لي مستمعين أغلب الوقت، ليس على جانبكم من النهر. من تمكن منكم من سماع الهمسات القليلة، أو صرخة مكتومة بين الفينة والأخرى، سيظن كلماتي نسمات الهواء تمر على العشب الجاف، أو خفقات أجنحة الوطاويط ساعة الغروب، أو كوابيس.

لكن لطالما كنت ذات عزم قوي. صبورة، كما كانوا يقولون عني. أحب إذا بدأت أمراً أن أتمّه إلى النهاية.



2
الكورس
أنشودة نطّ الحبل

نحن الخادمات
من قتلتهنّ
ومن خذلتهنّ

رقصنا في الهواء
ارتعشت أقدامنا العارية
ولم نرَ أن هذا حسن

مع كل ربّة وملكة وكلبة
من هناك إلى هنا
نمت وانتشيت

فعلنا الأقل بكثير
مما فعلت أنت
وحكمت علينا ظلماً

لك أنت الرمح
لك أنت الكلمة
تحت طوعك

مسحنا دماء عشاقنا
المقتولين
من على الأرض ومن فوق المقاعد

من درجات السلم، من الأبواب
سجدنا في الماء
وأنت تنظر إلينا

تنظر إلى أقدامنا الحافية
لم يكن هذا حسن
أن تتغذى على خوفنا

انتشيت
ورفعت يدك فأمرت
ونظرت إلينا في سقوطنا

رقصنا في الهواء
نحن من خذلتهن
من قتلتهن

Wednesday, February 1, 2012

عن الجنود

النص ده كتبته من سنين طويلة، ممكن من 2005.. سبت ايدي تكتب وقتها صباح حلم شفته بتفاصيل واضحة، فاكر منه عساكر كتير واقفين على أبواب انفاق تؤدي لباطن الأرض، يشهرون السلاح في وجه من يقترب.. معرفش.. وقت الصدمات والمذابح الواحد بيعمل حاجات غريبة، زي إنه ينزل نص إبداعي قديم على مدونة وسط دماء 73 شهيد حتى الآن، خلال ساعتين، ويبحث فيه عن نبوءة شخصية عن حدث جلل زي الثورة وأعداءها الأوساخ.. يسقط يسقط حكم العسكر. يسقط حكم القتلة


رأيتني جالساً داخل سيارة أضحك وألعب بشعاع من نور بين يدي، ينعكس من هذه اليد إلى تلك ويعود.. لكن فجأة لا أعرف ما جرى لمّا أفلت منّي وانطلق إلى السماء.. وكانت تجلس في المقعد الخلفي فتاة، فشهقت حين انطلق وتبادلنا النظرات القلقة، وحين نظرت إليه ثانية كان الشعاع الرفيع قد تحول إلى عمود من نور يصل السماء بالأرض. ملأني رعباً وهرعت أبحث عن مخبأ في أرض صحراوية قاحلة تحيط بالسيارة من كل اتجاه.. فجأة أيقنت تماماً أن شعاع النور أفسد كل نواميس الكون وأن نهاية العالم آتية لا محالة،  وكل من يبقى على وجه البسيطة هالك.

فرحت أجري أبحث عن مخبأ تحت الأرض، أتحرك خفيفاً كالريح، لكن كلما رأيت نفقاً أو كفهاً يؤدي إلى أسفل؛ أرى أمامه حُراساً كثيرين مدججين بالسلاح يترصدون كل من يحاول الاقتراب، وأيقنت أنه لن يفلت من الهلاك إلا كل من كانت علاقته طيبة بالجنود، لكني رحت أبحث عن كهف أو حفرة أو وهدة بلا كلل. 

Thursday, September 15, 2011

رقصات محجوزة - قصة قصيرة لروبرتو بولانيو

نُشرت في الثقافة الجديدة عدد أكتوبر 2010.. أعدت قراءتها وجدتها لسان حال كاتب ثائر عاش في المنفى باختياره، يلامس في هذه القصة ثورته في تشيلي.

عن الكاتب:
روبرتو بولانيو (1953 – 2003) هو من أهم الكُتاب التشيليين وصاحب توجه أدب أمريكا الجنوبية الجديد. أغلب الوارد في هذه القصة من حياته الشخصية. قبل وفاته بستة أسابيع، منحه أدباء أمريكا اللاتينية لقب "أهم كُتاب أمريكا اللاتينية لهذا الجيل" في مؤتمر دولي عُقد في سيفيل، إسبانيا. يعتبر بولانيو من أهم روائيي مرحلة ما بعد "الواقعية السحرية"، التي أعلن رفضه لها ولرموزها في مناسبات عديدة. وُلد في تشيلي وعاش فترات من حياته في المكسيك والولايات المتحدة. له عدة روايات أهمها "المحققون المتوحشون" – سيرة ذاتية لحياته في المكسيك وعدة بلدان أوروبية، حصدت جائزة رومولو جاليجوس الفنزويلية – ورواية "2666" – أنجزها على عجلة في السنوات السابقة على وفاته (وكان يعرف أن موته وشيك). تزيد عن الألف صفحة، تقع في خمسة أجزاء، ونُشرت بعد وفاته في مُجلد واحد، لتحصد جائزة النقاد الأمريكية عن ترجمتها الإنجليزية الصادرة في الولايات المتحدة. هاجم في حياته جابرييل جارثيا ماركيث وماريو بارجاس يوسا وابنة بلده إيزابيل إلليندي (وهاجم أوكتافيو باث، الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل، في روايته "المحققون المتوحشون"، كرمز للفساد والمحسوبية في الوسط الثقافي المكسيكي)، وهاجم آخرين. قال عن الواقعية السحرية إنها الخلطة التي كان يُعِدها الكُتاب خصيصاً كي تعجب قراء الخارج الغرباء عن أمريكا اللاتينية. 

رقصات محجوزة
روبرتو بولانيو
ترجمة: عمرو خيري

1. قرأت أمي علينا نيرودا في مدينة كويلبون ومدينة كويكوينيس ولوس أنجلس. 2. كتاب واحد: عشرون قصيدة حب وأغنية يأس واحدة. دار لوسادا للنشر، بيونس آيرس، 1961. على صفحة العنوان رسم لنيرودا وكلمة توضح أن هذه الطبعة صدرت احتفالاً ببيع النسخة المليون. هل شهد عام 1961 بيع النسخة المليون فعلاً؟ أو أن الكلمة تشير إلى جميع أعمال نيرودا المنشورة؟ في البداية خفت، رغم أنني الآن أشعر بالاحتمالين مزعجين، لا يمكن تصور أحدهما. 3. اسم أمي مكتوب على الصفحة الثانية من الكتاب: ماريا فيكتوريا أفالوس فلوريس. عندما تفحصت الخط توصلت إلى استنتاج غير وارد، هو أن شخصاً غيرها كتب اسمها. ليس خط يد أبي، ولا أي شخص أعرفه. خط من إذن؟ بعد التدقيق في الإمضاء الذي ألقت عليه السنوات غمامها، مُضطر أنا للاعتراف، ولو على استحياء، بأنه خط يد أمي. 4. في عامي 1961 و1962 لم تكن أمي مسنة كحالها الآن، لم تكن قد بلغت سن الخامسة والثلاثين، وكانت تعمل في مستشفى. كانت شابة ممتلئة الحياة. 5. هذه النسخة من "عشرون قصيدة"، نسختي، سافرت مسافات طويلة. من بلدة إلى بلدة في جنوب تشيلي، من بيت إلى بيت في مكسيكو سيتي، ثم إلى ثلاث مدن في إسبانيا. 6. بالطبع لم يكن الكتاب كتابي دائماً. في البداية كان كتاب أمي. أعطته لشقيقتي، وعندما تركت شقيقتي مدينة جيرونا ورحلت إلى المكسيك، أعطته لي. من بين الكتب التي تركتها لي أختي، فكتبي المفضلة هي الخيال العلمي والأعمال الكاملة (حتى تلك اللحظة) لمانويل بويج، والذي أعطيته لها، ثم عاودت قراءته بعد أن رحلت. 7. عندما وصلت لتلك المرحلة كنت قد توقفت عن حب نيرودا، خاصةً "عشرون قصيدة حب"! 8. في عام 1968 انتقلت أسرتي إلى مكسيكو سيتي. وبعد عامين، في 1970، قابلت أليخاندرو خودوروفسكي، والذي – بالنسبة لي – كان النموذج النمطي للفنان. انتظرته خارج المسرح (كان يُخرِج مسرحية زرادشت مع إسيلا بارجاس) وقلت إنني أريده أن يعلمني كيف أنتج الأفلام. ثم أصبحت زائراً أتردد على بيته كثيراً. لا أظنني كنت طالباً نجيباً. خودوروفسكي سألني كم أنفق أسبوعياً على السجائر. قلت: مبلغ محترم (أدخن كالمدخنة منذ بدأت التدخين). قال لي أن أتوقف عن التدخين وأنفق النقود على حصص التأمل بطريقة الزِن مع إيخو تاكاتا. قلت: طيب. جاريته لأيام معدودة، لكن أثناء الحصة الثالثة قررت أن هذا الموضوع لا يناسبني. 9. تركت إيخو تاكاتا في منتصف حصة التامل بطريقة الزِن. عندما حاولت الخروج جائني وفي يده عصا خشبية، العصا التي يستخدمها مع التلاميذ الذين يطلبون أن يضربهم. ما يفعله في هذه الحالة هو أن يمد يده بالعصا، ويقول الطالب نعم أو لا، وإذا كان الرد بالإيجاب، يضربه مرتين، ويرن الصوت في الحجرة كابية الإضاءة الغارقة في البخور. 10. لكن تلك المرة لم يسألني أولاً. هجمته كانت متهورة صاخبة. كنت جالساً إلى جوار فتاة، على مقربة من الباب، وكان إيخو عند الجانب البعيد من الحجرة. خُيّل لي أنه مغمض العينين ولن يسمعني وأنا أخرج. لكن ابن الحرام سمعني ورمى نفسه عليّ وهو يصيح بالمُعادل الياباني لكلمة "يلعنك". 11. كان أبي بطل ملاكمة من الوزن الثقيل، هاوي. بطولته التي لم يقف في وجهها أحد كانت تقتصر على جنوب تشيلي. لم أحب الملاكمة يوماً، لكنني تعلمتها منذ الطفولة. ودائماً ما كان هناك زوج من قفازات الملاكمة في البيت، سواء في تشيلي أو المكسيك. 12. عندما رمى السيد إيخو تاكاتا بنفسه علي وهو يصيح، الأرجح أنه لم يقصد بي أي ضرر، ولم يتوقع مني أن أدافع عن نفسي بشكل تلقائي. عادة عندما يضرب أتباعه بالعصا كان الغرض التخفيف من توتر أعصابهم. لكنني لم أكن أعاني من توتر أعصاب، لا أريد إلا الخروج من هذا المكان وألا أعود له.13. لو تعرضت لهجوم؛ تدافع عن نفسك. هذا أمر طبيعي، خاصة عندما تكون في السابعة عشرة من عمرك، وخصوصاً لو كنت في مكسيكو سيتي. إيخو تاكانا كان "نيرودياً" في براعته. 14. خورودوفسكي هو المشكور على وجود إيخو تاكاتا في المكسيك، على حد قوله. ذات مرة خرج تاكاتا يبحث عن مدمني المخدرات في أدغال أوساكا، أغلبهم أشخاص من أمريكا الشمالية لم يتمكنوا من العودة من رحلاتهم الهلوسية. 15. لكن تجربتي مع تاكاتا لم تدفعني للتوقف عن التدخين. 16. أحد الأشياء التي أحببتها في خودوروفسكي كانت عندما يضمني إلى زمرة المثقفين التشيليين أثناء حديثه (عادة بالانتقاد). كنت أجد في هذا دفعة قوية لثقتي بنفسي، رغم أنني وكما هو واضح لم أكن أنوي مطلقاً التشبه بالمثقفين المذكورين. 17. ذات مساء، لا أذكر كيف، تطرقنا إلى قضية الشعر التشيلي. قال إن أعظم شاعر تشيلي هو نيكانور بارا. ألقى قصيدة من قصائد نيكانور، ثم أخرى، ثم أخرى. كان إلقاء خودوروفسكي جيداً لكن لم تؤثر فيّ القصائد. في تلك السن كنت شاباً حساساً لأقصى حد، وفي الوقت نفسه سخيف وشديد الاعتداد بنفسي، وأعلنت أن أعظم شاعر تشيلي هو بلا شك بابلو نيرودا. وأضفت أن البقية أقزام. لابد أن النقاش استغرق نحو نصف ساعة. ألقى خودوروفسكي بحجج لجوردجيف وكريشناموري ومدام بلافاتسكي، وراح يتكلم عن كيجارد وويتجنشتاين، ثم توبور وأرابال، وعن نفسه. أذكره وهو يقول أن نيكانور، وهو في طريقه إلى مكان ما، نزل ضيفاً في بيته. لمحت في كلمته هذه فخراً طفولياً رحت أراه مراراً وتكراراً في أغلب الكُتَّاب بعد ذلك. 18. في أحد كتبه قال باتاي إن الدموع هي جوهر الاتصال. بدأت أبكي، ليس بطريقة طبيعية عادية، بل بكاء متوحش، في نوبات، وكأنني أليس في بلاد العجائب، تزفر الدمع جالونات جالونات. 19. وأنا أغادر بيت خودوروفسكي أدركت أنني لن أعود يوماً، وآلمني هذا بقدر آلمي مما قاله، واستمر بكائي في الشارع. كما أدركت لأسفي أنني لن أحظى يوماً بأستاذ ساحر كهذا اللص المؤدب والمحتال المخضرم. 20. لكن ما آلمني أكثر من أي شيء هو ضعف حججي، وليس دفاعي المثير للشفقة (كان دفاعاً على أية حال) عن بابلو نيرودا، بينما كل ما قرأته له كان "عشرون قصيدة حب" (والتي أصبحت أراها في تلك المرحلة مضحكة دون قصد منه) وديوان (الشفق) وفيه قصيدة "وداعاً"، التي أراها قصيدة صادقة حتى الآن، وإن كنت وقتها أراها البكائية التي لا تعلوها بكائية. 21. في عام 1971 قرأت فاييخو وهويدوبرو مارتن أدان وبورخيس وأوكويندو دي أمات وبابلو دي روكا وجيلبرتو أوين، ولوبيز بيلاردى، وأليفييرو جيروندو. بل إنني قرأت نيكانور بارا أيضاً. وقرأت بابلو نيرودا حتى! 22. كان الشعراء المكسيكيين الذين أخرج معهم وأتبادل معهم الكتب في ذلك الحين ينتمون إلى معسكر من اثنين: النيروديون والفاييخيون. وكنت بلا شك باريّا في عزلتي [نسبة إلى نيكانور بارا]. 23. لكن لابد أن الآباء قُتلوا، الشعراء يولدون يتامى. 24. في عام 1973 عدت إلى تشيلي، رحلة برية وبحرية طويلة، وتأخرت على الطريق مراراً بسبب كرم الضيافة. قابلت الثوار من مختلف المشارب. دوامة النار التي سرعان ما ستأكل أمريكا الوسطى كنت قد بدأت أراها في أعين أصدقائي، الذين كانوا يتحدثون عن الموت وكأنهم يتحدثون عن فيلم سينما. 25. بلغت تشيلي في أغسطس 1973. كنت أريد أن أساعد في بناء الاشتراكية. أول ديوان أشتريه كان (عمل بناء) لبارا. الثاني كان (صناعات يدوية)، بقلم بارا أيضاً. 26. أتيح لي أقل من شهر أتمتع فيه ببناء الاشتراكية. في ذلك الوقت بالطبع لم أكن أعرف بهذا. كنت باريّاً في إبداعي. 27. ذهبت إلى مؤتمر ورأيت عدة شعراء تشيليين، كان مقرفاً. 28. في الحادي عشر من سبتمبر [يوم انقلاب بينوشيه على نظام الحكم الماركسي] ذهبت إلى لقاء للخلية الحزبية الوحيدة التي تعمل في منطقة الضواحي التي أعيش فيها، وتطوعت. الرجل المسؤول كان عامل مصانع شيوعياً، بديناً تظهر في عينيه الحيرة، لكنه مستعد للقتال. رأيت أن زوجته أشجع منه. تكومنا في حجرة الطعام في بيته، كانت ذات أرضية خشبية وصغيرة. بينما كان الرجل المسؤول يتكلم، تفحصت الكتب على الرف. لم تكن كثيرة، أغلبها روايات عشش عليها العنكبوت، كالتي كان يقرأها أبي. 29. بالنسبة لي، كان يوم 11 سبتمبر يوماً مضحكاً دموياً في نفس الوقت. 30. رحت أراقب الحال في شارع خالِ. نسيت كلمة السر. كان رفاقي يبلغون من العمر 15 عاماً، أشخاص في سن التقاعد، أو عاطلين عن العمل. 31. عندما مات نيرودا كنت في مولشن بالفعل، مع أعمامي وعماتي وأولاد العم. في نوفمبر ونحن في الطريق من لوس أنجلس إلى كونثبثيون، تم اعتقالي في نقطة تفتيش على الطريق وأصبحت سجيناً. كنت الوحيد الذي أخذوه من الأتوبيس. تصورت أنهم سيقتلونني وقتها، في ذلك المكان. من الزنزانة كنت أسمع الضابط المسؤول عن الوردية، رجل شرطة طازج الوجه لا تتخيله أكثر من عبيط القرية، يتحدث مع رؤسائه في كونثبثيون. كان يقول إنه أمسك بإرهابي مكسيكي. ثم تراجع في كلامه وقال: إرهابي أجنبي. تحدث عن لهجتي الأجنبية، والدولارات في جيبي، وماركة قميصي وبنطلوني. 32. أجدادي الكبار، من آل فلوريس وجراناس، حاولوا بلا جدوى تهيئة وتهذيب براري أراوكانيا (بينما لم يتمكنوا حتى من تهذيب أنفسهم)، لابد إذن أنهم كانوا "نيروديين" في تهورهم. جدي الأكبر، روبرتو ألفوس مارتي، كان كولونيلاً تمركز في عدة حصون في الجنوب حتى تقاعده المبكر الغامض، والذي دفعني للشك في أنه كان نيرودياً في تعاطفه مع الأزرق والأبيض.[1] أجدادي الكبار من ناحية أبي جاءوا من جاليسيا وكتالونيا، وكرسوا حياتهم لمقاطعة بيو بيو، وكانوا نيروديين في ملامحهم العامة وعملهم الدؤوب. 33. حبسوني في كونثبثيون عدة أيام ثم أفرجوا عنّي. لم يعذبوني كما خشيت، ولم يسرقوني حتى. لكنهم لم يعطوني شيئاً آكله، ولا أي نوع من أنواع الغطاء في الليل، فكنت أعتمد على شهامة السجناء الآخرين، الذي شاركوني طعامهم. وفي ساعات الصباح الأولى كنت أسمعهم يعذبون الآخرين، ويضن عليّ النوم ولا أجد شيئاً أقرأه إلا مجلة بالإنجليزية خرج أحدهم وتركها. المقال الوحيد المهم فيها كان عن بيت كان يملكه يوماً ديلان توماس. 34. خرجت من تلك الحفرة بفضل اثنين من المحققين ارتادا معي المدرسة الثانوية في لوس أنجلس، وبفضل صديقي فرناندو فيمانديز، وكان يبلغ من العمر واحد وعشرين عاماً، أكبر مني بسنة واحدة لكن شكله شكل الرجل الإنجليزي النمطي، المحترم، الذي يحاول التشيليون بذل قصارى جهدهم للتشبه به. 35. في يناير 1974 خرجت من تشيلي. ولم أعد إليها يوماً. 36. هل كان التشيليون من جيلي شجعاناً؟ نعم، كانوا كذلك. 37. في المكسيك سمعت حكاية شابة من حركة اليسار الثوري عذبوها بالفئران الحية في فرجها. تمكنت المرأة من الخروج من البلاد والذهاب إلى مكسيكو سيتي. هناك عاشت، لكن كل يوم يزيد حزنها، حتى قتلها الحزن ذات يوم. هذا ما سمعته. لا أعرفها شخصياً. 38. ليست حكاية فريدة من نوعها. سمعنا عن فلاحات في جواتيمالا تعرضن لإذلال مُذهل. المدهش في الحكاية هو كونيتها. في باريس سمعت بامرأة تشيلية عذبوها بنفس الأسلوب قبل أن تهاجر إلى فرنسا. كانت بدورها عضوة في حركة اليسار الثوري، وكانت في نفس سن السيدة من المكسيك، ومثلها، ماتت من الحزن. 39. بعد فترة سمعت بامرأة تشيلية في ستوكهولم، كانت شابة، عضوة أو عضوة سابقة في حركة اليسار الثوري، عذبوها في نوفمبر 1973، باستخدام الفئران، وماتت، لدهشة الأطباء الذين كانوا يعالجونها، من الحزن. الاسم العلمي: موربوس ميلانكوليكوس. 40. هل من الممكن أن تموت حزناً؟ نعم، هذا ممكن. بل من الممكن حتى أن تموت بمرض الطحال. 41. هل كانت تلك التشيلية المجهولة – التي تعرضت للحزن مراراً وماتت – غير متزوجة؟ أو هل كانت كذلك النساء الثلاث والمشترك بينهن القناعات السياسية ونفس نوع الجمال؟ طبقاً لصديق، كانت في واقع الأمر امرأة واحدة، والتي – وكما في قصيدة "ماسا" لفاييخو – تكاثرت في موتها دون أن تجد للنجاة سبيلاً. (في الواقع، في قصيدة فاييخو، ليس الرجل الميت هو الذي يتكاثر بل من يتوسلونه ألا يموت). 42. ذات مرة كانت هناك شاعرة بلجيكية اسمها صوفي بودولسكي. وُلدت عام 1953 وانتحرت عام 1974. نشرت ديواناً واحداً، هو (بلد "كل شيء ممكن"، مركز بحوث مونتفاكون، 1970، 280 صفحة مقاس فلوسكاب). 43. جرمين نوفو (1852 – 1920)، صديق رمبود، أمضى أعوامه الأخيرة متسولاً صعلوكاً. أصبح اسمه هوميليس (في عام 1910 نشر "قصائد هوميليس") وكان ينام على أرصفة الكنائس. 44. كل شيء ممكن، على كل الشعراء أن يعرفوا هذا.45. سألوني ذات مرة عن شعرائي التشيليين الشبان المفضلين. ربما لم يقولوا "شباناً" بل "معاصرين". قلت إنني أحب رودريجو ليرا، رغم أنه لم يعد من الممكن اعتباره معاصراً (على أنه شاب، شاب أكثر منّا جميعاً)، بما أنه ميت. 46. شركاء الرقص للشعر التشيلي الجديد، سلالة نيرودا التي ظهرت محسوبة بدقة، وتناسلات هويدوبرو القاسية، وأتباع مسترال المضحكين وتلاميذ دي روكا المتواضعين، وورثة عظام بارا وعيني لين. 47. اعتراف: لا يمكنني قراءة مذكرات نيرودا دون الإحساس بالمرض العضال. يالها من كومة من التناقضات. كل هذا الجهد لإخفاء وتجميل ذلك الشيء ذو الوجه المشوه. كرم مُقطّر، حس دعابة شحيح. 48. أثناء فترة من حياتي، مرت والحمد لله، كنت أرى أدولف هتلر في ردهة بيتي. كل ما كان هتلر يفعله، هو أن يذرع الردهة جيئة وذهاباً، دون أن ينظر إليّ عندما يمر بباب حجرة نومي المفتوح. في البداية حسبته الشيطان (من غيره يكون؟) وخشيت أنني جُننت بلا رجعة. 49. بعد أسبوعين، اختفى هتلر، وكنت أتوقع أن يحل ستالين محله. لكن ستالين لم يظهر. 50. كان نيرودا هو الذي سكن ردهة بيتي بعده. ليس لمدة أسبوعين مثل هتلر، بل ثلاثة أيام – إقامته الأقصر يبدو أنها تشير إلى تحسن نوبتي الاكتئابية. 51. لكن نيرودا كانت تنبعث منه أصوات (كان هتلر هادئاً ككتلة عائمة من الثلج)، كان يشتكي ويغمغم وتبدر عنه كلمات غير مفهومة، ويداه تمتدان أمامه ورئتاه تعبان الهواء (هواء تلك الردهة الأوروبية الباردة) بانتعاش. الإيماءات المتألمة وأسلوبه الأشبه بأسلوب المتسولين في الليلة الأولى تغير على مراحل، حتى إنه في النهاية بدا أن الشبح تعرف في نفسه على شاعر هام ومُكرَّم يقيم بالديوان الملكي. 52. في الليلة الثالثة والأخيرة، وهو يمر ببابي، توقف ونظر إلي (لم يفعل هتلر هذا مطلقاً)، وحاول – وهذا هو أغرب ما في الموضوع – أن يتكلم لكن لم يقدر، وأبدى عقمه بإيماءاته وأخيراً، قبل أن يختفي مع ضوء الفجر الأول، ابتسم لي (وكأنه يقول إن الاتصال بيننا مستحيل، لكنه حاول على كل حال) 53. منذ فترة قابلت ثلاثة أشقاء أرجنتينيين ضحوا بحياتهم بعد ذلك في قضايا ثورية في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية. الخيانة المتبادلة بين الشقيقين الأكبر سقط ضحيتها دون قصد الشقيق الأصغر، الذي لم يخن أحداً، ومات، على ما سمعت، وهو ينادي عليهما، رغم أن الأرجح أنه مات في صمت. 54. "أبناء أسد إسباني"، على حد قول روبن داريو، المتفاءل بطبعه. أبناء والت ويتمان وخوسيه مارتي وفيوليتا بارا، تقطعت بهم السبل ونسيهم الناس في مقابر جماعية، أو في قاع البحر، ذلك المصير الطروادي لعظامهم المتشابكة التي تثير رعب الناجين من الموت.55. أفكر فيهم هذا الأسبوع مع زيارة قدامى محاربي الكتائب الدولية لإسبانيا: رجال مسنون أجسادهم ضئيلة، ينزلون من الأتوبيسات، يلوحون بقبضاتهم. 40 ألفاً منهم، و350 فقط أو نحو ذلك عادوا إلى إسبانيا. 56. أفكر في بلتران مورالس، أفكر في روبرتو ليرا، أفكر في ماريو سانتياجو، أفكر في رينالدو أريناس. أفكر في شعراء ماتوا تحت التعذيب، ماتوا من الإيدز أو جرعات المخدرات الزائدة، وكانوا يؤمنون جميعاً بفردوس في أمريكا اللاتينية وماتوا في جحيم أمريكا اللاتينية. أفكر في أعمالهم، والتي ربما تقود يد اليسار إلى مخرج من حفرة الخزي والعقم. 57. أفكر في رؤوسنا المستدقة التي لا نفع منها، وميتة إيزاك بابل المحيرة. 58. عندما أكبر أريد أن أكون نيرودياً في اتصالي بالعالم. 59. أسئلة أتفكر فيها قبل النوم: لماذا لم يحب نيرودا كافكا؟ لماذا لم يحب نيرودا ريلكه؟ لماذا لم يحب نيرودا دي روكا؟ 60. هل كان يحب باربوس؟ يوحي كل شيء بأنه لم يحبه. وشولوكوف. وأليرتي. وأوكتافيو باز. رفاق غرباء في الرحلة البرزخية. 61. لكنه أحب أيضاً إلوارد، الذي كان يكتب قصائد الحب. 62. لو كان نيرودا مدمناً للكوكايين أو الهيروين، لو كانت قتلته شظية في حصار مدريد عام 1936، لو كان حبيب لوركا وانتحر بعد قتل لوركا، كانت لتصبح القصة مختلفة تماماً. لو كان نيرودا هو اللغز الذي يؤمن عميقاً داخله أنه هو! 63. في بدروم الصرح العظيم المعروف باسم "أعمال بابلو نيرودا" ينتظر أجولينو، يترصد التهام أطفاله؟ 64. دون أدنى ندم! في براءة! لمجرد أنه جائع ولا يريد الموت! 65. لم يكن لديه أطفال، لكن الناس كانت تحبه. 66. هل أنت مضطر للعودة إلى نيرودا كما نرجع دائماً للصليب، على ركبتين داميتين، مثقوب الرئتين والعيون ملآنة بالدمع؟ 67. عندما يتوه أي معنى عن أسمائنا، سيستمر هو لامعاً، يستمر محلقاً فوق منطقة افتراضية معروفة باسم "الأدب التشيلي". 68. وقتها سيصبح جميع الشعراء سكاناً في مجتمعات فنية معروفة باسم من اثنين: السجون أو مستشفيات المجانين. 69. إنه بيتنا المُتخيَّل، البيت الذي نتشارك فيه.


[1]  علم تشيلي فيه الألوان الأزرق والأبيض والأحمر. الأزرق يرمز للسماء والأبيض لقمم جبال الأنديز الثلجية، والأحمر للدم المسكوب من أجل الاستقلال. لعل المقصود بتفضيل الأزرق والأبيض أنه يفضل السلم على الحرب والعنف.

Monday, September 5, 2011

يوميات باحث أنثروبولوجي في الثورة


هذا مقطع من كتاب مُترجم يصدر قريباً، من ترجمة العبد لله.. الكاتب باحث أنثروبولوجي أوروبي شهد جانباً من الثورة في مصر، ودوّن يومياته عنها.. هذا الجزء يتناول تحديداً تأملات نظرية مبدئية في طبيعة الثورة، لكن الكتاب عموماً يوميات للثورة على هيئة مشاهدات يومية، وليس كله نظري طبعاً. إنجوي :)

الخميس، 10 فبراير 2011
القوة والحالة الطبيعية والثورة

وأنا أكتب هذه السطور، تستمر ثورة 25 يناير في شوارع مصر، وأي شيء يُكتب هذه الأيام يتطبع بطابع اللحظة، وسيثبت خطأه بطريقة أو بأخرى مع تطور الأحداث. هذا درس لابد أن يتعلمه الأكاديميون من هذه الثورات والثورات الأخرى: الواقع يتغير بطريقة تجبرنا على تغيير اسلوب تفكيرنا أسرع مما اعتدنا، وأن نقر بمدى ارتباط نظرياتنا بوقائع تاريخية انتهت. في هذا المقال، سوف أحاول عرض بعض الاستنتاجات الأولية عن طريف غيّر الزخم الثوري من رؤية المصريين للمتاح لديهم من تحركات. فلأكن أكثر شاعرية: سأحاول الخروج بإحساس مبدئي عن الروح الثورية، وأيضاً عن بعض من القيود المحددة لهذه الروح.

الحالة: طبيعية؟

طرت إلى مصر في 31 يناير 2011 بدلاً من الذهاب لعطلة طويلة في فنلندا، حيث كنت آمل إعداد مقال يتعلق بتجربة صديق لي عمل مفتشاً للصحة شمالي مصر. فريق عمل المفتش كانت مهمته بالأساس الذهاب للمخبز المدعم من الدولة مرة كل يوم، والمرور على الطابور، وأخذ عينة من الخبز والتوقيع في دفتر التفتيش: "الحالة: طبيعية". أوضح صديقي أن المكتوب لا يتعرض لكون الخبز جيد أم لا، بل مجرد حالته. في المقال، كنت أريد أن أكتب عن هذه التجربة الهدّامة: أن تحاصر الوعود البراقة بالتنمية والتقدم شباك ومستنقعات المحسوبية والفساد، والمطامح الكبرى بالإنجاز الفردي الذي يصطدم بجدار الإحباط كل مرة. خلال الأعوام القليلة الماضية، تطورت عندي نظرة ناقدة لمنهج فوكو[1] في التعامل مع الدين والأخلاق والحكومة والعلمانية، إلخ من وجهة نظر منهج الحكّومة والموضعة[2]، لأنني أحسست أن هذه المناهج لا تفسر كيف هو الحال عندما يعيش المرء في ظل الأوضاع التي وصفوها. في المقال الذي كنت سأكتبه، كنت أريد الوصول إلى منهج أوضح لفهم التوقعات والمخططات الكبرى، مع النظر لكل آلية للتحايل والالتفاف على الإحباطات يلجأ إليها الناس ليجدوا في هذا الركن أو ذاك القليل من الكرامة الإنسانية في عالم يحرمهم منها. فهذا الأسلوب من الناس منهج مأساوي، كذا كنت أود أن أوضح، لأن هذه الأساليب في حد ذاتها، أساليب الالتفاف والتحايل، تعني في الوقت نفسه المساهمة في خلق نظام من الفساد والمحسوبية وعدم المشروعية، وهي نفسها المشاكل التي يريدون الهرب منها.

كنت مخطئاً. فجأة ولدهشتي البالغة – ليس فقط لدهشة المراقبين الأجانب مثلي، بل أيضاً المصريين أنفسهم – خرج قطاع كبير من الشعب إلى الشوارع واستعادوا كرامتهم الإنسانية مطالبين بأن يسقط النظام كاملاً. ما لم آخذه في الحسبان هو أن تجربة الإجبار على أن يصبح الإنسان جزء من نظام فاسد من العلاقات – وهي تجربة مهينة ومؤلمة – من أجل أن ينجو من الضغوط، قد أصبحت – هذه التجربة – أرضاً خصبة لنمو الغضب والرغبة الحارقة في العيش في عالم آخر؛ إحساس لم يكن بحاجة إلا لثورة ناجحة مثل تونس كنموذج لاكتشاف أنه بدلاً من التكيف مع الحال الطبيعية، فإنه وعلى كل، من الممكن أن يحدث التغيير.

بعد ما قلته، فإنني أرى أن منهج فوكو، في دراسة القوة، هو منهج قاصر عن فهم الروح الثورية. الثورة نتيجة، لكن لا يمكن فهمها من واقع دراستها تحت عدسة الموضعة أو التطور العضوي أو الحكّومة، أو أي منهج آخر يركز بالأساس على كل ما هو متعلق بخطاب المجتمع وبكل ما هو إستراتيجي. كما عرفت بنفسي في مصر، وكما سمعت من الناس الذين شاركوا في الثورة، فهي حالة مزاجية، إحساس يتسم بالتغير الغريب في العلاقة بين ما هو خيالي وما يدخل في إطار القابل للعمل والإنجاز، حالة انتقالية من الاستثناء، هي على علاقة مفتوحة بالإصرار على التحول السياسي والاجتماعي. في المساحة الضيقة المتاحة لي في هذا المقال، سأحاول أن أوضح ما أقصد بهاتين النقطتين قبل أن أنتقل إلى استنتاجاتي الأولية عن العلاقة بين القوة والحالة الطبيعية والثورة.

"كده أكتر من أي شيء كان ممكن أحلم به".

الناس الذين تحدثت معهم في مصر راحوا يحيلونني إلى كيف أنهم مندهشين من الأحداث. بعضهم قالوا لي إنهم خرجوا للتظاهر يوم 25 يناير لكن لم يتوقعوا أن يتظاهر أحد معهم. وفي أكثر من مناسبة، توقع الناس أن تفقد الثورة زخمها وأن يتعب الناس ويسلموا أمرهم، ثم وبكل سعادة يندهشوا عندما تتجمع حشود جديدة كبيرة من المتظاهرين تملأ شوارع المدن. مع تزايد الثقة في إمكانية تغيير الأشياء، تزايدت مطالب المتظاهرين سريعاً، من مطالبة مبارك (وابنه) بعدم الترشح في الانتخابات القادمة، إلى المطالبة بتنحيه، وها هم الآن يطالبون بمحاكمته. النجاح في أنهم قادرين على عمل شيء بأنفسهم، وهذا الشيء كانوا يشكون قبل أيام في إمكانيته، أعطاهم إحساس هائل بالفخر والكرامة والثقة في قدرتهم على تغيير العالم. هذه هي اللحظة الثورية الاصيلة: مولد الإحساس بشيء لم يكن بالإمكان تخيله من قبل، لحظة أن يكون هذا الشيء المولود في طور التحقق. لكم يتناقض هذا مع تجربة "الحال الطبيعية"، وفيها فإن الوعود الكبرى والتوقعات العظيمة  - سواء كانت سياسية أو دينية أو اقتصادية أو أخلاقية – تكون دائماً سابقة بمسافة بعيدة لواقع مُحبط ومهين. إذا – وفي الحال الطبيعية – كان الواقع أقل كثيراً من الخيال، فإن في الثورة، يسبق العمل والإنجاز الخيال، ويخلق أرض جديدة غير متوقعة للحلم. الحالة الثورية تغير العالم، ليس فقط لأنها تغير منطق الحكّومة، وعلاقات القوة، أو آليات الموضعة وصب قوالب ما يمكن عمله (رغم أن هذا سيصبح ضرورياً في مرحلة لاحقة من الثورة)، لكن لأن هذه اللحظة الثورية في حد ذاتها هي تغيير شامل للحياة/العالم للناس المشاركين في اللحظة: إعادة تقييم للموقف من وجهة نظر الإحساس والعاطفة.. طريقة جديدة لأن تكون في العالم.

هذه نقطة انطلاق وبداية. لكن السؤال بالطبع، هو إلى أي مدى سيكون التغيير دائماً. الآن يبدو أن الثورة المصرية ستكون ثورة طويلة، لكن ذات يوم، سوف تنتهي، للأفضل أو للأسوأ. السؤال إذن: ما الذي تفعله اللحظة الثورية للظرف "الطبيعي"؟

العابر والمقيم

بصفتي باحث أنثروبولوجي انشغل طويلاً بثقافة الاحتفال، فقد لاحظت بُعداً احتفالياً مدهشاً في الفضاء الثوري بميدان التحرير. ما يحدث هناك ليس مجرد مظاهرة ضد نظام قمعي وتعبير عن مطالب الحرية. التجمع في حد ذاته هو الحرية. إنه حقيقي وفعلي، لحظة معاشة من الحرية والكرامة التي تنشدها الحركة المطالبة بالديمقراطية. من ثم، فهذه لحظة صعبة الفهم، ملتبسة، لأن الإحساس القوي بالوحدة فيها (هناك إجماع على عدم رفع أي شعارات حزبية في الميدان) والقوة التي تلفها، هي بالضرورة أمر عابر، فحتى في أكثر السيناريوهات نجاحاً، فسوف يلي هذه اللحظة فترة طويلة من التغير السياسي والعمل بموجب مخططات ومفاوضات وسياسة الأحزاب المتنافسة – كل ما يخطر على البال مما هو نقيض وخلاف هذه اللحظة، لحظة الوقوف يد واحدة والتجرؤ أخيراً على قول "لا!". لكن بفضل طبيعة هذه اللحظة اليوتوبية، فهي غير قابلة للتدمير. ما إن تم استحضارها، فلا يمكن مسحها من أذهان الناس ومخيلاتهم ثانية. إنها تجربة – مع اختلاف الألوان ومن مختلف وجهات النظر التي شهدت عليها – كافية بأن تترك علامتها على جيل بأسره.

الثورة ليست أمراً عابراً سريعاً، فهي تتطلب الإصرار. وهناك أنواع مختلفة من الإصرار التي تتمتع بها هذه اللحظة. الإصرار على التغيير في النظام السياسي وما يحيطه من نظام اقتصادي ضروري، ولم يتحقق بعد. هذه القضية ستشهد صراع طويل. وهناك نقاط أخرى يتركز عليها الإصرار، هي نفسية أكثر وذات طبيعة أبعد تاثيراً، وها هي قد أصبحت بالفعل جزء من "الحال الطبيعية". هناك نقطة محددة مدهشة، لأنها تشهد حالياً نقاش واسع من المثقفين المصريين، وهي متعلقة بفكرة الرئيس الأب. في 4 فبراير أعلن نائب الرئيس عمر سليمان أن المصريين عليهم إبداء الاحترام للرئيس، لأن "مبارك هو الأب". بمعنى آخر، أحال سليمان المسألة على عقيدة اجتماعية مرتبطة بالحكم الأبوي، حيث لابد من احترام الأب حتى في حال الاختلاف معه. وهي محاولة ماكرة لاستغلال بعض المشاعر عميقة الجذور لدى الشعب، لكن في الوقت نفسه، تغيرت مشاعر مصريين كثيرين بشكل أوديبي مدهش. نموذج مدهش على ذلك، عندما قال ناشط في حوار إعلامي: "الأب مات". يجادل العديد من المثقفين الآن بأن هذه الثورة تتسم بحالة صراع فرويدية بامتياز، حالة قتل الأب. القتل الرمزي للاب السلطوي للأمة، كما يقولون، يعني أن المصريين اكتسبوا استقلالهم كأشخاص مستقلين بالغين.

استنتاجات أولية

ما زالت درجة نجاح الثورة المصرية غير واضحة مع كتابتي هذه السطور. الوضع حرج، والمصريون يواجهون على ما يبدو وبوضوح نضالاً طويلاً. أي كان "الحالة الطبيعية" الجديدة التي ستسفر عنها الثورة، فهي أكيدة المعالم: جيل من المصريين الذين شاركوا في هذه الثورة لا يمكن أبداً أن يُحكموا بنفس طريقة ما قبل الثورة. هذه التجربة من العمل والتغيير للأوضاع بأيديهم، والخروج بنجاح إلى الشوارع في 25 يناير وتصديهم بنجاح للشرطة في 28 يناير، وإرساء القانون والنظام في غياب الشرطة بعد أعمال نهب 29 يناير، وتنظيم مظاهرات جماعية سلمية كبرى ووضع النظام السياسي كاملاً تحت الضغط، كل هذا غير من طريقة فهمهم لنطاق الممكن في العمل العام. أي محاولة لحُكم هؤلاء، سواء حكومة ديمقراطية أو نظام سلطوي يتمكن من لم شتاته من جديد، لابد أن تأخذ هذا التغيير في الاعتبار.

من ثم، فإنني أعلن وصولي إلى أعتاب نتيجة نظرية مبدئية. قال ميشيل فوكو كما يعرف الجميع بأن القوة لا تعني غياب واستبعاد المقاومة، لكن كل شكل من أشكال القوة يخلق معه شكل معين من أشكال المقاومة. "الحالة الطبيعية" في السنوات الماضية ولحظة الثورة التي بدأت في 25 يناير تُلزمني بقلب هذه المقولة رأساً على عقب: قبل الثورة كان "النظام" قوامه في حقيقة الأمر وإلى حد بعيد، شعب يحاول تجمله والتكيف معه، مما أعطاه هيئة شريرة ومهينة في الحقيقة. مع استمرار الثورة فإن "النظام" الذي يحاول المصريون أن ينقلبوا عليه حالياً، يتبدل سريعاً على يد النظام السياسي في رد فعل لحركة شعبية تلقائية تُدهش النخبة الحاكمة بلا توقف. بعد الثورة، سوف تظهر أساليب حكم جديدة لمصر، أفضل أو أسوأ. إذن، فمع قلب مقولة فوكو رأساً على عقب، يصح القول أن الثورة المصرية أظهرت أن كل شكل من أشكال المقاومة يُنتج شكل معين من القوة.


[1]  الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
[2]  Governmentality and subjectivation المصطلحان اصطكهما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: حكّومة (تُنطق كما تُنطق عولمة) بمعنى "الممارسات ذات الطبيعة النظامية (العقليات والآليات) التي يُحكم بها الشعب". الموضعة، مشتقة من موضوع، الموضعة تسبق الموضوع، كما تسبق القولبة القالب. تعريف المصطلحان اجتهاد من المترجم وقد يصيب وقد يخطئ.

Wednesday, July 20, 2011

ورد الميدان - قصيدة مهداة للمعتصمين في ميدان سعد زغلول في الإسكندرية

القصيدة دي كتبها الصديق والكاتب خالد إسماعيل، وأهداها للمعتصمين في ميدان سعد زغلول في الإسكندرية، يا رب توصل لهم


ورد الميدان

إلى ثوار ميدان سعد زغلول بالإسكندرية
شعر: خالد إسماعيل

1
طالعين، من قلب الخراب الكبير
وَرد بيسبَّح لربُّه..
زيّ عصفور الجناين، وسط قطعان النسور الجارحة
حلوين بأخلاقهم، بيحبوا "مصر" بدون حِسَب
صدقوني: لسّه فيه شُبّان فِ مصر..
صدقوني: لسّه فيه أبطال بيتحدوا الرَّصَاص
والأمن والبلطجية الكبار..
لسّه فيه شجعان بيتحدوا "اللواءات" اللي باعوا
عرضنا واستعبدونا..
لسّه فيه أولاد رجال، كبروا قوام قبل الأوان
تحت قهر أعوان المباحث وقنابل الدخان
هديّة الأمريكان، للنظام العميل!

2

صدقوني: لسه رب الكون ما قررشي إنه يخلق حد يقدر
يخنق الثورة بحبّة كدّابين، أو شوّية دجّالين
بدقون.. ولا بشوية عيال ناعمين، يترقصوا جوّه
الشاشات الخاينه للمعنى النبيل!
لسّه قلب النيل بينبض بالحياه..
لسّه فيه رغم الشقا والجوع حياه..
تستحق نموت عشانها فِ الميدان
وفِ المفارق والشوارع، فجر حلم الشعب شقشق
غصب عن عين الصهاينة..
غصب عن عين اللي خان!

يوليو 2011
الإسكندرية